كيف انتقلت نساء الفيوم من هامش الدعم إلى قلب الإنتاج؟
لم تكن زيارة مصنع الغزل والنسيج بغرب العزب بمحافظة الفيوم مجرد جولة ميدانية ضمن برنامج نظمته وزارة التضامن الاجتماعي للصحفيين، بل كانت نافذة على تحولات أعمق في حياة فتيات وسيدات انتقلن من هامش الدعم إلى قلب الإنتاج، في تجربة تكشف كيف يمكن للتمكين الاقتصادي أن يغيّر الفكر قبل أن يغيّر الدخل.
ويعد المصنع نموذجًا لشراكة فعّالة بين وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة قطاع الأعمال العام والمجتمع المدني، ممثلًا في "المؤسسة المصرية للتنمية المتكاملة النداء"، حيث جرى تجهيز وتشغيل مجمع صناعي متخصص للملابس الجاهزة على مساحة 12 ألف متر مربع داخل مصنع غزل الفيوم، الذي ظل مغلقًا لسنوات طويلة.
ويستهدف المشروع تدريب وتوظيف مستفيدات برنامج تكافل وكرامة، ضمن رؤية تقوم على الانتقال من الحماية الاجتماعية إلى العمل والإنتاج، فمنذ انطلاقه في أبريل 2023، بدأ المشروع بتدريب 250 مستفيدة على فنون الحياكة، قبل أن يتوسع ليشمل تدريب وتوظيف نحو 2000 سيدة في مرحلته الأولى، مع خطة لتشغيل 3 آلاف سيدة خلال المرحلة الثانية، عبر ثماني صالات إنتاج يعمل خط الإنتاج الواحد فيها بطاقة تصل إلى 1500 قطعة.
تقى فرحات.. شهادة تكشف التحول
داخل إحدى صالات الإنتاج، تعمل تقى فرحات، 19 عامًا، حاصلة على دبلوم تجاري، في مراجعة جودة قطع الملابس قبل تغليفها، تعرفت تقى على المصنع من خلال صديقاتها، ووجدت فيه فرصة عمل مستقرة بمرتب ثابت، وتأمين اجتماعي وصحي، وساعات عمل واضحة من الثامنة والنصف صباحًا حتى الرابعة والنصف عصرًا، تتخللها ساعة راحة يومية.
لكن الأهم في حديث تقى لم يكن تفاصيل الراتب أو ساعات العمل، بل ما كشفه كلامها عن تحول في طريقة التفكير. فعندما سُئلت عن تفضيلها بين الجلوس في المنزل أو العمل، أجابت دون تردد: "بحب الشغل أكتر… بنتعلم صنعة، ومرتب ثابت، وكمان بنتكلم ونتبادل خبرات".
الأسرة الصغيرة.. كسر مفهوم "العزوة"
حديث تقى عن المستقبل يعكس وعيًا اجتماعيًا لافتًا؛ فعلى عكس المفهوم السائد في بعض البيئات الريفية التي تميل إلى إنجاب عدد كبير من الأبناء باعتبارهم "عزوة"، تقول تقى إنها تتمنى إنجاب ولد وبنت فقط، لتتمكن من الاهتمام بهما وتوفير تعليم ورعاية وملبس جيد. ويعكس هذا التصور ربطًا واضحًا بين حجم الأسرة والقدرة على الرعاية، وهو تحول يرتبط مباشرة بالاستقلال الاقتصادي والإحساس بالمسؤولية.
ترشيد الاستهلاك.. حين يصبح المال نتاج تعب
وفي حديثها عن تجهيز "جهاز العروسة"، تكشف تقى عن تحول آخر في الوعي، إذ تؤكد أنها تشتري الأساسيات فقط وبجودة جيدة، دون إسراف أو مبالغة في العدد، قائلة إن المال الذي تنفقه "شقيانة فيه"، هذا الموقف يعكس انتقالًا من ثقافة الاستعراض الاجتماعي المرتبطة بتجهيزات الزواج، إلى ثقافة تقدير الجهد وترشيد الإنفاق، حين يصبح الدخل نتاج عمل حقيقي لا عبئًا على الأسرة.
وفي سياق حديثها عن خططها المستقبلية، تقول تقى إنها تتمنى امتلاك ماكينة خياطة والعمل من المنزل في أوقات فراغها، بهدف زيادة دخلها واستثمار وقتها، وتكوين مشروعها الخاص تدريجيًا، مؤكدة في الوقت نفسه أن ذلك لن يكون بديلًا عن عملها بالمصنع، وتوضح أن الاستمرار في المصنع يمثل بالنسبة لها مصدر الاستقرار الأساسي، بما يوفره من دخل ثابت وتأمين اجتماعي وصحي.
وأشارت تقى إلى أن امتلاك الماكينة يظل هدفًا مؤجلًا لحين الانتهاء من تجهيز الأساسيات في "جهاز العروسة"، في ترتيب يعكس وعيًا بالأولويات، وموازنة بين الطموح الريادي والالتزامات الحالية، ويؤكد أن فكرة المشروع الخاص لا تأتي بدافع الهروب من العمل، بل كامتداد طبيعي لتجربة تعلم واكتساب مهارات داخل المصنع.
اختيار الزوج.. شراكة لا تبعية
أما عن مواصفات شريك الحياة، فتعبر تقى عن رؤية ناضجة تتجاوز الاعتبارات الشكلية، إذ تؤكد أنها تبحث عن زوج "أخلاقه كويسة، وبيشتغل، وقادر يفتح بيت، ويقدر اللي معاه"، وهي معايير تعكس إحساسًا بالقيمة الذاتية، وقدرة على اتخاذ قرار واعٍ بشأن المستقبل، بعيدًا عن الضغوط الاجتماعية.
وتوجه تقى رسالة مباشرة للفتيات والسيدات المترددات في العمل، قائلة: "اتشجعي وانزلي… المكان محترم، وكله سيدات، وفي مرتب ثابت وتأمين صحي ومعاش بعد ما نكبر"، كما تشير إلى أن المصنع ينظم ندوات توعوية للعاملات، ويستضيف سيارات وزارة الصحة المتنقلة ضمن المبادرات الرئاسية، ما يسهم في رفع الوعي الصحي والاجتماعي.
كيف ترى المشرفات تحولات العاملات؟
وتقدم محاسن ديناري عبدالعزيز، إحدى المشرفات داخل المصنع، قراءة تفسيرية لطبيعة التحولات التي تشهدها العاملات، مؤكدة أن الالتحاق بالعمل لا يخضع لشروط سوى الرغبة الجادة، حيث تبدأ كل سيدة رحلتها داخل صالة التدريب قبل الانتقال إلى خطوط الإنتاج.
وأوضحت المشرفة أن العاملات ينقسمن إلى فئتين، كلتاهما تمثل قيمة مضافة للمجتمع، وإن اختلفت دوافع البداية؛ فالفئة الأولى تضم سيدات التحقن بالمصنع بدافع الرغبة في العمل وبناء كيان مستقل، وهؤلاء يتطورن بسرعة، ويحرصن على التعلم والتركيز، بل إن بعضهن استطعن بعد فترة قصيرة شراء ماكينات خياطة وبدء مشروعات صغيرة داخل منازلهن، إلى جانب استمرارهن في العمل بالمصنع.
أما الفئة الثانية، فتضم سيدات جئن بدافع الحاجة إلى العمل وتأمين دخل، وهو دافع لا يقل أهمية اجتماعيًا، إذ يوفر الاستقرار للأسر ويخفف أعباء المعيشة، ويشكل نقطة بداية لتحولات لاحقة في الوعي والخبرة مع الاستمرار في العمل.
وأشارت المشرفة إلى أن حرص العاملات على الاستمرار في العمل داخل المصنع، حتى من بدأن مشروعات منزلية، يعود لما يوفره من دخل ثابت يمكن الاعتماد عليه، وتأمين اجتماعي وصحي، فضلًا عن فرص التعلم والتطوير والمتابعة المستمرة، بما يجعل المصنع مساحة إنتاج وتعلم في آن واحد.
تغير النظرة… حين يعيد العمل تعريف قيمة المرأة
وقدم حديث بدوي شعبان عويس، فني صيانة الماكينات بالمصنع، 39 عامًا، يعمل به منذ عام ونصف، واحدة من أوضح الشهادات على التحول في وعي الرجال تجاه عمل المرأة. "بدوي"، الذي يمتلك خبرة تمتد لنحو 23 عامًا في العمل داخل المصانع، يرى أن عمل المرأة "أفضل من الجلوس في البيت"، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكدًا أن دخل الزوج غالبًا ما يوجَّه لتغطية الأساسيات، بينما يسهم عمل الزوجة في تلبية احتياجات الأبناء وتحسين مستوى المعيشة داخل الأسرة.
وأشار إلى أن عمل المرأة ينعكس مباشرة على استقرار البيت نفسيًا، موضحًا أن الأسرة التي تعمل فيها الزوجة تكون أكثر هدوءًا وأقل توترًا، لأن الزوجة العاملة "بتشغل وقتها، وبيتوزع بين بيتها وولادها، ومفيش فراغ"، معتبرًا أن الفراغ يمثل أحد أكبر التحديات داخل البيوت.
وعن نظرته للسيدات العاملات بالمصنع، أكد أن كثيرات منهن "شاطرات ودماغهم صاحيه"، وسريعات التعلم على الماكينات، وأن العاملة التي تتقن العمل على أكثر من ماكينة يرتفع أجرها، مضيفًا: "بعد 23 سنة شغل في المصانع، ده أول مصنع أدخله وألاقي الجودة فيه رقم واحد، وييجي بعدها أي حاجة".
ولا يتحدث بدوي من منطلق نظري، بل من تجربة شخصية مباشرة، إذ يؤكد أن زوجته تعمل منذ زواجهما، وحرص على نقلها من المصنع الذي كانت تعمل به سابقًا إلى هذا المصنع منذ عام ونصف، بعد أن لمس ما يوفره من نظام وانضباط وبيئة عمل آمنة ومستقرة.. ويضيف أن شراكتهما في العمل أسهمت في شراء منزل، والمشاركة في تجهيزه، والادخار لمستقبل الأبناء وبدء تجهيز بنتاهما "جهاز العروسة"، بما منحهما شعورًا بالأمان والاستقرار.
ويمتد هذا الوعي داخل أسرته، حيث يؤكد أن لديه أربع شقيقات حرصت الأسرة على تعليمهن جميعًا، ويعملن حاليًا في مجال التمريض، معتبرًا أن تعليم البنات وتشغيلهن "أصل ثابت" داخل العائلة، وليس استثناءً أو قرارًا طارئًا.
وفي رده على بعض النظرات المجتمعية التي تشكك في قدرة المرأة العاملة، يقول بدوي بوضوح: "الست اللي تراعي بيتها، وتصون جوزها، وتربي وتعلم أولادها، وكمان تشتغل وتساعد، دي تبقى كاملة ونص"، معتبرًا أن العمل لا ينتقص من دور المرأة، بل يضاعف قيمتها داخل الأسرة والمجتمع.
ووجه بدوي رسالة صريحة للرجال الذين يرفضون عمل الزوجة، مؤكدًا أن من لا يرغب في عمل زوجته "لازم يكون قادر يوفر كل احتياجات البيت، خصوصًا تعليم وملابس ومصاريف الأولاد"، لأن الظروف الاقتصادية الحالية لم تعد تسمح بأن يتحمل الرجل العبء وحده.
واختتم فني الصيانة حديثه بالإشارة إلى أن المصنع يمثل نموذجًا مختلفًا في التدريب، موضحًا أن العاملات يتلقين تدريبًا عمليًا على ماكينات حديثة تتجاوز قيمة بعضها مليون جنيه، في رسالة ثقة حقيقية في قدرات المرأة، مؤكدًا أن الاستثمار في التدريب لا يقل أهمية عن توفير فرصة العمل نفسها، وأن هذا النموذج يستحق التوسع والتكرار.
حين يصبح المصنع المغلق بداية لا نهاية
وتوضح عبير شوقي أبو هجار، مديرة (المؤسسة المصرية للتنمية المتكاملة النداء) بالفيوم ومدير المصنع، أن التجربة لم تنطلق من فكرة تشغيل مبنى متوقف فحسب، مؤكدة أن المصنع كان مغلقًا بالكامل منذ عام 2009، وأن التحدي الحقيقي لم يكن إعادة فتحه، بل إعادة تعريف دوره ووظيفته داخل المجتمع.
وأضافت: "لم يكن الهدف مجرد إعادة تشغيل مصنع مغلق، وإنما بناء منظومة عمل تعترف بالمرأة كعنصر إنتاج كامل، وتمكنها من الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى المشاركة الفعلية في الإنتاج، بما يرسخ مفهوم التمكين الاقتصادي المستدام".
وتشير أبو هجار إلى أن هذه الرؤية انعكست في طريقة إدارة المشروع، حيث جرى الفصل بين الإدارة التشغيلية والإدارة الأهلية، من خلال بروتوكول تعاون مع شركة الياسمينا للملابس الجاهزة، التي تتولى تشغيل خطوط الإنتاج، والتدريب الفني، ومتابعة الجودة، بينما تركز مؤسسة النداء على إدارة الموارد البشرية، ومتابعة أوضاع السيدات العاملات، والعمل على رفع وعيهن الثقافي والاجتماعي والصحي، باعتبار أن الاستدامة لا تتحقق بالإنتاج وحده، بل بالاستثمار في الإنسان.
ولفتت إلى أن المنظومة راعت البعد الأسري والاجتماعي للمرأة العاملة، خاصة مع وجود أسر تعمل داخل المصنع، من خلال إنشاء حضانة لأبناء العاملات داخل مقر المصنع، وتوفير وسائل انتقال منتظمة من وإلى موقع العمل، بما يزيل العوائق التي قد تحول دون استمرار المرأة في العمل، كما نسقت المؤسسة مع مديرية الصحة لتنظيم القوافل الطبية والمبادرات الصحية، بما يتيح للسيدات تلقي الخدمات الصحية والمتابعة الدورية أثناء ساعات العمل، وهو ما أسهم في رفع معدلات الاستفادة من هذه الخدمات.
وأكدت مديرة مؤسسة النداء أن أحد أبرز التحديات التي واجهت المشروع في بدايته تمثل في رفض بعض الأسر، خاصة في المناطق الريفية، لفكرة عمل المرأة، وهو ما جرى التعامل معه عبر جلسات حوارية مباشرة مع القيادات المجتمعية والأسر، لشرح طبيعة بيئة العمل الآمنة، التي تقتصر صالات الإنتاج فيها على السيدات فقط، إلى جانب التأكيد على قواعد التعامل المهني داخل المصنع.
وتختتم أبو هجار حديثها بالتأكيد على أن التجربة تمثل نموذجًا متكاملًا للتمكين الاقتصادي، يقوم على تحويل الدعم إلى إنتاج، وبناء الثقة بين المرأة والأسرة وسوق العمل، مشيرة إلى أن خروج أول منتج من خط إنتاج التدريب لم يكن مجرد إنجاز صناعي، بل لحظة فارقة تعكس انتقال السيدات من تلقي المساعدة إلى صناعة القيمة، ومن الهامش إلى الشراكة الفعلية في التنمية.
ولا تكتمل دلالة هذه التجربة
ولا تكتمل دلالة هذه التجربة عند حدود تمكين فتاة أو مئات السيدات فقط، بل تتجاوزها لتقدم نموذجًا واضحًا ينبغي تكراره والبناء عليه، فالمصنع الذي يعمل اليوم بكامل طاقته لم يكن منذ سنوات سوى مبنى مغلق، جدرانه خاوية، يعلوها الغبار وتنسج العناكب في أركانه، قبل أن يتحول إلى مساحة إنتاج نابضة بالحياة، تزينها اليوم أيادي سيدات يعملن وينتجن ويخططن لمستقبلهن.
هذا التحول لا يعكس فقط نجاح مشروع تشغيلي، بل يبرهن على أن استثمار الأصول المعطلة، حين يقترن برؤية اجتماعية واضحة وشراكة فعالة بين الدولة والمجتمع المدني، قادر على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة، وتحقيق عائد اجتماعي يتجاوز التشغيل إلى إعادة بناء الإنسان والمكان معًا. وهو نموذج لا يثبت صلاحيته للتكرار فحسب، بل يطرح نفسه كضرورة ينبغي تعميمها في محافظات أخرى، باعتبارها أحد المسارات الأكثر فاعلية لتحويل الدعم إلى إنتاج، والفرصة إلى وعي، والمكان المهجور إلى حياة.