ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لاحظتُ خلال الأيام القليلة الماضية تداول مقطع فيديو لشخص يقيم في الولايات المتحدة، سبق فصله من جهاز مباحث أمن الدولة السابق برتبة نقيب تقريبًا، على خلفية سوء السلوك، يتضمن إساءات وتجاوزات بحق الجهاز ودوره قبل حله عام 2011.

ولم أعتد الرد على مثل هذه المحاولات، أو الانسياق خلف تصريحات تصدر عن عملاء أو من لفظهم الوطن، عند تطاولهم على مؤسسات الدولة أو رموزها. غير أن ما ورد في هذا الفيديو دفعني إلى كتابة مقال موجز تحت عنوان:
«رسالة شوق وحنين وعرفان بالجميل».

يظل اسم مباحث أمن الدولة راسخًا في الذاكرة الوطنية، مهما تغيّرت المسميات أو اللافتات. فهو لم يكن مجرد جهاز أمني في تاريخ مصر الحديث، بل مؤسسة حملت على عاتقها مسؤولية حماية الدولة وصون أمنها القومي، وكانت على الدوام عينًا ساهرة وصمام أمان في مواجهة الإرهاب والتطرف ومخططات التآمر الخارجي.

لم يكن اسم «أمن الدولة» توصيفًا إداريًا عابرًا، بل رمزًا لهيبة الدولة المصرية ذاتها. 

مباحث أمن الدولة في ميزان التاريخ

فقد اختزل هذا الاسم مفهومًا شاملًا للأمن الوطني بمستوياته كافة، وعكس دورًا يتجاوز حدود الأمن الجنائي إلى حماية الكيان السياسي والاجتماعي للدولة. ولهذا ظل الاسم حاضرًا في وجدان المصريين، رغم تغير المسميات، لارتباطه بالانضباط والكفاءة والهيبة، باعتباره أحد الركائز الأساسية لمنظومة الأمن الوطني.

وعقب أحداث يناير 2011، جاء استهداف جهاز مباحث أمن الدولة على رأس أولويات جماعة الإخوان، بدعم وتوجيه خارجي، إدراكًا منهم لخطورة الدور الذي كان يقوم به الجهاز في حماية بنية الدولة، وكشف مخططات التنظيمات المتطرفة. فقد امتلك الجهاز من الخبرات والمعلومات ما مكّنه من اختراق تلك التنظيمات ورصد تحركاتها، وهو ما جعل تفكيكه وتغيير اسمه هدفًا مباشرًا في محاولة لتجريد الدولة من إحدى أدواتها الأمنية الرئيسية.

وشهدت تلك المرحلة عملية إقصاء وتجريف واسعة لكوادر الجهاز، ولا سيما الضباط المعنيين بملفات التطرف الديني، وهو ما أسفر عن فراغ أمني بالغ الخطورة، استغلته الجماعات المتشددة لتوسيع نفوذها وتحركاتها.

ولم تمضِ سنوات طويلة حتى تكشّف حجم الخطر الناتج عن غياب هذا الجهاز، مع عودة التنظيمات الإرهابية إلى المشهد، وارتفاع وتيرة العمليات العدائية، وكادت الدولة أن تدفع ثمن ذلك الفراغ من دماء أبنائها.

وحينها أدرك الرأي العام أن مباحث أمن الدولة لم تكن أداة قمع كما روّج البعض، بل أحد الأعمدة الأساسية للأمن القومي المصري، الذي حال دون انزلاق المجتمع والدولة إلى فوضى التنظيمات المتطرفة.

لم يكن ضباط مباحث أمن الدولة مجرد موظفين، بل رجال دولة بالمعنى الحقيقي. عملوا في صمت، وتحملوا مسؤوليات جسيمة بعيدًا عن الأضواء، وواجهوا أخطر التنظيمات والمؤامرات، واضعين أمن الوطن فوق أي اعتبار شخصي. وقد قدّم كثيرون منهم أرواحهم فداءً لمصر، فيما أفنى آخرون أعمارهم في خدمة وطنهم دون انتظار تقدير أو شهرة.

لقد أثبت التاريخ أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، بل بما لديها من أجهزة أمنية واعية ويقظة، قادرة على استباق الخطر والتعامل معه باحترافية وعقلانية.

قد تتغير المسميات وتتعاقب الإدارات، لكن اسم مباحث أمن الدولة سيظل محفورًا في ذاكرة الوطن، لارتباطه الوثيق بفكرة الأمن الوطني ذاتها. فهو ليس مجرد عنوان لمؤسسة، بل رمز لمرحلة من العمل الجاد والمسؤولية الوطنية التي أسهمت في الحفاظ على استقرار الدولة المصرية لعقود طويلة.

وستبقى الحقيقة ثابتة: أن حماية الوطن كانت، وستظل، الرسالة الأسمى لرجال هذا الجهاز العريق.

تم نسخ الرابط