ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم أذكر يوماً أنني رددت عبارات مثل النسيج الواحد أو عنصري الأمة أو غيرها من تلك التي تخرج علينا عند كل مناسبة دينية .
وقد قلت لنفسي منذ زمن:
لا أحد يحصي نسيج قطعة القماش. يذوب النسيج بداخلها ثم لا يصبح أمام أعيننا سوى قطعة مكتملة من صنيع النسيج ذاته.

كما أن لا أحد يمكنه أن يستنسخ مصطلحا علمياً لا يستعمل إلا داخل معامل الاختبارات عندما يضاف عنصر إلى آخر فينتج لنا عنصرين.
نحن بشر لا عناصر.

يمكمننا أن نتحدث عن التعددية العقائدية والثقافية والعرقية وغيرها. هذا مما يثقل حضارة الشعوب وعراقتها. يمكننا أن نتحدث عن الهوية وهي العنوان الحقيقى الذي يجب أن تهتدي إليه الشعوب أو الأمم.

ربما كانت -ثورة ١٩١٩- هي أول مناسبة - على الأقل في العصر الحديث - التي يرتفع بها شعار ظل لاصقاً بصفحات التاريخ وهو الهلال والصليب. والحقيقة كان الأمر عفوياً غير مرتب بالمرة. لقد جاء كتعبير عن رمزية رائعة هي أن مصر شعب واحد لا فارق بين مصري وآخر على أي أساس حتى ولو كان الدين نفسه.

لو تأملنا كل الأحداث التي مرت بمصر منذ بداية القرن العشرين وحتى الآن لن نجد مناسبة رُفعت فيه مثل هذه الشعارات التي أشرت إليها إلا عندما تدعو لها الحاجة نجد معها أنه من الضروري أن ننبه أنفسنا إلى أن شيئاً ما قد وقع فأصاب وحدة الأمة ومن ثم نجد أنفسنا نردد تلقائياً: نسيج واحد .. عنصري الأمة .. إلى آخر الشعارات التي تعرفونها بينما كان من المفروض  أن تسقط هذه الشعارات من ذاكرتنا.

هناك علاقة طردية إذن بين رفع هذه الشعارات وحالة التوتر أو الأزمة.
لا يمكن أن تُرفع هذه الشعارات إلا تحت الإحساس بأن شيئاً ما ليس في موضعه الصحيح.
علم النفس ينبئنا بهذه الحقيقة.
هناك شعارات ترفع دائماً وقت الخطر وعندما لا يترسخ مفهوماً معيناً بدواخلنا فنقاوم الخطر بالشعار.
وقت الهزيمة يصبح النصر هو الشعار ووقت الفتنة يصبح النسيج الواحد هو الشعار.

في التاريخ المصري بعض العلامات الفريدة التي تتحدث عن هويتنا المشتركة أذكر منها:
- أسماؤنا المشتركة التي ظلت لحقبة طويلة جدا غير دالة على ديانة صاحبها.
 
عائلات بأكملها تشترك في وحدة الأسماء رغم اختلاف الدين.
- الوقار الذى كنا نقدر به الشيخ والقسيس على السواء.
أنا أذكر جيداً هذا التلاقي العظيم الذى كان قائماً ببن رجلين كل منهما يدعو إلى الله الواحد. وأقصد بهما الشيخ الشعراوي والبابا شنودة.
كان لكل منهما هيبة عظيمة. لم يكن في أمر تلاقيهما أي "بروتوكول" أو مواءمة مما قد يحدث الآن في بعض المناسبات .
كان الأمر صادقاً وتلقائياً كما كان في ثورة ١٩١٩ تماماً.
- لم تكن هناك أي درجة من الحساسية بين المسجد والكنيسة. 
كل منهما مكان مقدس ترفع فيه شعائر إلى الله. كل منهما كان يحتمي بالشعب الواحد. هنا نحرس المسجد وهنا نحرس الكنيسة.

لا تُعرف الإنسانية إلا بقدر رفعتها الإنسان المجرد من أية تصنيف.
لا تُعرف قوة المجتمعات إلا بالمساواة والعدل بين الناس جميعاً دون أي تفرقة.  لا تُقام الأوطان إلا بشعب واحد حتى مع اختلاف عقائد أفراده.
هذه المسلمات البسيطة أظن أن لديها المقدرة على أن تُسقط هذه الشعارات التي تبدو من واجهتها أنها تحمل جوهراً بينما هي في حقيقتها
مجرد قشور لا أكثر.
قشور فاقدة المضمون والمعنى.

تم نسخ الرابط