رغم الجوانب المضيئة عبر الفضاء الرقمي الواسع، وعلى الرغم من الإفادة من مواقع التواصل الاجتماعي فقد أفرزت هذه المنصات الرقمية بعض الظواهر السلبية التي أوشكت أن تفرغ المجتمع من موروثاته القيمية، ومنطلقاته الفكرية، وسماته الجمالية.
وفي مقدمة هذه الظواهر تأتي " فقاعة مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي" كظاهرة مرضية توغلت في جنبات الواقع الافتراضي وألقت بظلالها على العديد من المستخدمين.
"فقاعة كبيرة" و "ظاهرة صوتية" لا تثمر نتاجا ملموساً، ولا تحدث إضافة حقيقية، وهي كالأرض الجدباء لا تنبت ثمرا ولا يستقر بها ماء، وتجوب الواقع الافتراضي خالية الوفاض بلا علم ولا فكر ولا موهبة تنتظر الغوث من السماء.
" فقاعة كبيرة" تحدث حالة من الصخب والضجيج والذيوع، والانتشار الزائف، وتنشر حالة من الفوضي الفكرية والأخلاقية، والحشود العبثية، والاضطرابات النفسية.
"ظاهرة خطيرة" تفت في عضد القيم المتجذرة والثوابت الراسخة بين أبناء المجتمع التي دأبت على أن تشمر عن سواعد الجد لتحقيق الآمال والطموحات وغرس ثمار البناء والإعمار، والسعي الحثيث والعمل الدؤوب لتحقيق الغايات.
"ظاهرة ملفتة" تنشر قيم السلبية والكسب السريع، والتحلل من القيم الإنسانية والأخلاقية، وتؤصل لحصد الشهرة وكنز الأموال دون اعتبار لقيمة راسخة أو مبدأ ثابت، أو خلق قويم، وتأخذ الشباب نحو الهاوية وأحلام الشهرة والثراء السريع دون بذل أو عطاء.
"مفرخة هائلة" لألفاظ جارحة ومشاهد مقززة، وسلوكيات خاطئة، وثقافات وافدة وأفكار مستهجنة، تأبي النفس السوية أن تستسيغها، وفي سبيلها لتحقيق لذلك تتفنن في تطويع التطور التقني لنشر التفاهة والتسطيح، والتهميش، والاختزال، وتشكيل صورة ذهنية زائفة وغير حقيقية عن مجتمع راق وواع وصاحب قيم عليا وفكر بناء، وحضارة رائدة بلغ تاريخها عنان السماء.
"معول هدم" لجهود الكثير من شرائح المجتمع التي تبذل الغالي والنفيس من وقتها وفكرها وجهدها لتحقق ما ترنو إليه بالعرق والجهد والكفاح والتطوير والتعلم واكتساب المهارات حتي تبلغ المراد.
"ظاهرة مشاهير السوشيال ميديا" ظاهرة خطيرة تمثل تهديداً كبيرا لبنية المجتمع الفكرية والأخلاقية والنفسية والجمالية، وتشكل تهديدا حقيقيا للتماسك المجتمعي والرضا النفسي والبناء القيمي.
" فقاعة المشاهير" تمددت بين قطاعات كبيرة، وانتشرت بقوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأشعلت جذوة التنافس المحموم بين عديمي الموهبة، ومحدودي الفكر في نشر الانحراف الفكري، وتشويه الذوق الجمالي، والتحلل من الجانب الأخلاقي والموروث القيمي.
" فقاعة المشاهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي" أصبحت ظاهرة رقمية لافتة للنظر ينتظرها ملايين البشر، وكاشفة لحالة من غياب الوعي الرقمي لدى الكثير من فئات المجتمع، ومعبرة عن تحول كبير في الذوق الفني، والنضج الفكري، والبعد القيمي الذي كاد أن يندثر.
لقد أحسن القائمون على أمر الإعلام صنعا، كالهيئة الوطنية للإعلام والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عندما بادروا بعدم تناول محتوى هؤلاء المشاهير عبر منصاتهم الإعلامية قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى "واقع حقيقي" ينشر خبثه بين الجماهير، ويزلزل مرتكزاتهم القيمية والأخلاقية والثقافية والجمالية.
ما أحوجنا إلى توعية الجمهور بخطورة هذه "الظاهرة" التي تلقي بظلالها على واقع الأفراد والمجتمعات، والأخذ بيده نحو "المحتويات الهادفة والقدوات الصالحة" التي تثمر خيراً يملأ الأرض نورا علما وحكمة، وعملاً.
ما أحوجنا إلى دراسة هذه الظاهرة من جوانبها المختلفة حتي نقتلع جوانبها السلبية من جذورها، ونعود بالشهرة والمكانة إلى مسارها الصحيح.
ما أحوجنا إلى "تربية إعلامية" تأخذ بتلابيب جماهيرها لمعرفة الغث من الثمين في سوق المحتويات والأفكار الرائجة عبر الواقع الافتراضي.
ما أحوجنا إلى نشر ثقافة "الفهم والتحليل والاستنباط الرقمي" حتي نتخلص من هذه الآفة الخطيرة التي تتوغل في ثنايا المجتمع وتستهدف تشويه بنيته الفكرية والأخلاقية، وذائقته الفنية والجمالية واللغوية.
إننا ندق ناقوس الخطر لهذا السرطان الذي توغل في جسد مواقع التواصل الاجتماعي وأوشك على القضاء على قوامه المجتمعي، وإرثه الفكري والحضاري.
لنبذل جميعاً - أفرادا ومؤسسات- كل ما لدينا من فكر وجهد للحفاظ على قيمنا وثقافاتنا، وحضاراتنا، ومرتكزاتنا لكي نبحر في الواقع الرقمي بهدوء واطمئنان، ونصل إلى شاطئ العلم والمعرفة بيسر وأمان، ونحقق أحلامنا وطموحات أوطاننا ولا نتركها فريسة الواقع الرقمي الذي يجرنا نحو غياهب النسيان وطي الكتمان.