ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أولا: المجلس الدستورى الفرنسى.

 يعد مبدأ التناسب Le de Proporationnalitè بين الجريمة والعقوبة المقررة لها من المبادئ التى تقوم عليها السياسة الجنائية الحديثة ومنذ أن نادى الماركيز سيزار دى بيكاريا Cesare DE BECCARIA رائد المدرسة التقليدية فى مؤلفه " شرعية الجرائم والعقوبات"  بأن العقوبة يجب أن يكون لها جانب إنسانى يهدف إلى إعادة دمج الجانى مع المجتمع وهو ما تبناه إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذى أصدرته الثورة الفرنسية فى ٢٦ أغسطس عام ١٧٨٩ والذى يعد جزءًا من الدستور الفرنسى الذى أسس الجمهورية الخامسة الصادر فى ٤ أكتوبر سنة ١٩٥٨.

ويرى الماركيز دى بيكاريا أنه رغم أن ما يبرر العقوبة هو ما تحققه من منفعة للمجتمع المتمثلة فى الوقاية من الجريمة مستقبلًا إلا أن أن شدة العقوبات وقسوتها سوف تؤدى إلى الإفلات منها بل والتشجيع على ذلك. فليس الهدف من العقوبة هو التنكيل والتمثيل بكائن حساس أى الجانى ولا إزالة الجريمة المرتكبة بعد أن أصبحت أمرًا مقضيًا.

ويعد مبدأ التناسب هذا من الأعمدة التى قامت عليها فكرة الحد من العقاب والتى بدأت فى الظهور فى التشريعات الجنائية منذ النصف الثانى من القرن العشرين( قانون العقوبات الإدارى الألماني ١٩٧٥ -- قانون العقوبات الإدارى الايطالى ١٩٨١) 

ولقد أشارت المادة الثامنة من إعلان حقوق الإنسان والمواطن السابق الإشارة إليه على هذا المبدأ بوضوح حيث تقرر المادة المذكورة على وجوب ألا يتضمن القانون إلا العقوبات الضرورية.

 Art 8" ... La droit e droit etablir que Penies strictement et evidemment nècessaires".

وهذه المادة تتوجه بخطابها إلى المشرع لكى يراعى هذا التناسب بين السلوك الذى يعده جريمة وبين العقوبة المقررة له واستنادًا على ذلك فقد قرر المجلس الدستورى الفرنسى وهو المجلس المنوط به مراقبة دستورية القوانين فى فرنسا اعتبار بعض النصوص القانونية مخالفة للدستور على أساس عدم تناسب الجزاء مع ما وقع بالمخالفة للقانون.

والمشرع الفرنسى نفسه قد منح القاضى إمكانية أن يراعى هذا التناسب.

ويقوم مبدأ التناسب هذا على ثلاث أسس رئيسية هى كالتالى:

أولا: القيم والمصالح الاجتماعية.

ثانيًا: جسامة العدوان.

ثالثًا: الخطأ.

ثانيًا: محكمة النقض المصرية.

ظلت محكمة النقض المصرية منذ إنشائها فى ثلاثينات القرن الماضى ترسخ مبدأ سلطة قاضى الموضوع التقديرية بشأن توقيع العقوبة فى حديها الأقصى والأدنى واعتبرت ذلك من الأمور التى تخرج عن رقابة محكمة النقض باعتبار هذه الأخيرة هى محكمة قانون منذ إنشائها إلى أن تم تعديل قانون إجراءات الطعن أمام محكمة النقض بالقانون رقم ١١ لسنة ٢٠١٧ والذى بدأ تطبيقه فى مايو من هذا العام وبموجبه تلتزم محكمة النقض بنظر موضوع الدعوى مباشرة إذا نقضت الحكم المطعون فيه (وليس إعادة القضية لمحكمة الجنايات لتقضى فيه بدائرة أخرى)

فقد أرست محكمة النقض لأول مرة فى تاريخها مبدءًا قضائيًا جديدًا يمنحها سلطة رقابة محكمة الجنايات في تقدير العقوبة التي توقعها على المتهم في الحدود المقررة قانونا، دون الحاجة إلى نقض الحكم المطعون فيه ونظر موضوع القضية من جديد، وذلك بخلاف ما سرت عليه الأحكام السابقة من أن تقدير العقوبة ما بين حديها الأدنى والأقصى واستخدام الرأفة من اختصاص محكمة الموضوع دون رقابة عليها.

حيث قالت محكمة النقض فى حيثيات حكمها: 

 "أنه لما كان تقدير محكمة الموضوع للعقوبة لا يعدو أن يكون خاتمة مطاف الموضوع ومحصلته النهائية، فمن غير المقبول عقلاً ومنطقاً أن يبقى تقدير العقوبة بمنأى عن رقابة محكمة النقض بعد صدور القانون رقم ١٢ لسنة ٢٠١٧ بتعديل حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض، وهي التعديلات السارية وبموجبها تلتزم محكمة النقض بنظر موضوع الدعوى مباشرة إذا نقضت الحكم المطعون فيه (وليس إعادة القضية لمحكمة الجنايات مرة أخرى كما كان في السابق)

وأضافت محكمة النقض:  "أنه قد بات متعيناً بعد التعديلات، بسط محكمة النقض رقابتها على تقدير محكمة الموضوع للعقوبة دون حاجة إلى نقض الحكم المطعون فيه وتحديد جلسة لنظر موضوعه، وتأسيسًا على ما سبق، ولما ارتأته من ظروف الطعن، فإنها تقضى بتصحيح الحكم المطعون فيه السارى عليه التعديل القانونى لصدوره في يناير ٢٠١٨، وذلك بإلغاء عقوبة الإعدام المقضى بها على المحكوم عليه ومعاقبته بالسجن المؤبد بدلاً منها"

ويعد هذا الحكم الصادر فى الطعن رقم ١١٠١٠ لسنة ٢٠١٣ فى نظرنا " نقلة حضارية" فى مجال تطور السياسة الجنائية الحديثة والتى تتعلق بالوسائل الملائمة لتوفير الحماية الكافية واللازمة للقيم والمصالح الاجتماعية من ناحية أولى والبحث عن أفضل السبل وأكثرها فاعلية لتحقيقها من ناحية ثانية.

وهذا المبدأ العام الذى قضت به محكمة النقض يعد ارساءً لأفكار طالما تناثرت فى ثنايا أسباب  الأحكام عندما كانت ترى محكمة الموضوع أن تحقيق هذا التناسب بين الجريمة بكل ما يحيط بها من ملابسات وبين العقوبة مستجمعة كافة أغراضها هو أعظم ما يمكن أن يتمخض عن العدالة.

تم نسخ الرابط