الفن أقوى المؤثرات في النشء والأسرة والمجتمع، فهو ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة لتشكيل الوعي، وبناء القيم، وصياغة الذوق العام. وما يقدم تحت لافتة الفن لا يمر عابرا، بل يستقر في العقول، ويتسلل إلى السلوك، ويعيد تشكيل مفهوم المقبول والمرفوض، الجميل والقبيح.
شاهدت بالأمس، على غير العادة، مقطعا من فيلم يدعو صراحة أو ضمنا إلى البلطجة والدعارة والفهلوة، ناهيك عن الألفاظ البذيئة والحركات والإشارات الهابطة. ولم يكن المشهد مجرد نقل لواقع مرفوض، بل بدا وكأنه تبرير له، أو تطبيع معه، أو حتى تقديمه في صورة جذابة قابلة للتقليد.
نعم، الفن ينقل الواقع، لكن الفن الحقيقي لا يكتفي بعكسه كما هو، ولا يغوص في المستور لمجرد الإثارة. فما يحدث في الغرف المغلقة لا يصح أن يعرض على العلن بلا وعي أو ضوابط، ولا أن يقدم للأجيال باعتباره أمرا عاديا أو سلوكا مشروعا. إن الفارق كبير بين فن يكشف الخلل ليصلحه، وفن يعري القبح ليشيعه.
نعم لحرية الإبداع والتعبير والرأي، فهي من مقومات أي مجتمع حي، ولكن الحرية بلا مسؤولية تتحول إلى فوضى، وبلا وعي إلى أداة هدم. فهناك نشء في طور التكوين، وأسرة تواجه تحديات متراكمة، ومجتمع يعاني من تآكل تدريجي في منظومة القيم والسلوكيات.
وليس خافيا أن الدراما، إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي، بات لها أثر بالغ في تفكك الروابط الأسرية، وازدياد حالات الطلاق، وإعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة على نحو مشوه أحيانا. كما انعكس ذلك على احترام الكبير، وهيبة المعلم، وسلوك المواطن في الشارع، وأخلاقيات القيادة، وأنماط التعامل العام بين الناس.
ويضاف إلى ذلك انتشار الأغاني الشعبية الهابطة، المحملة بالألفاظ السوقية، والسباب، والإيحاءات الفجة، والمخدرات اللفظية التي تغذي العنف والاستهانة بالقيم. والمفارقة المؤلمة أن النشء يحفظ هذه الأغاني عن ظهر قلب، ويرددها بلا عناء، بينما يعجز عن حفظ درس، أو إتقان لغة، أو التعلق بقيمة معرفية أو أخلاقية. وكأن الذاكرة لم تصب بالعجز، بل وجهت إلى ما يفرغها من معناها.
المشكلة ليست في الجرأة، بل في الابتذال، وليست في الصراحة، بل في تسويق الانحراف، وليست في عرض الواقع، بل في غياب الرؤية والقيمة. فالفن الذي يخاطب الغرائز وحدها يهبط بالإنسان، أما الفن الذي يخاطب العقل والوجدان معا فهو الذي يرقى به، ويسهم في بناء مجتمع متوازن واع بذاته ومستقبله.
فأين الفن الحقيقي يا سادة؟! أين الفن الذي يهذب الذوق، ويوقظ الضمير، ويقدم القدوة دون ادعاء، ويزرع الأمل دون تزوير؟ أين الفن الذي يدرك أن الكلمة والمشهد والصورة مسؤولية، وأن التأثير أمانة، وأن الإبداع لا يقاس بمدى الصدمة، بل بعمق الأثر ونبل الغاية؟! والله من وراء القصد.