الجنايات تنتصر لحقوق الإنسان وعريضة للنائب العام تنقذ متهمين وبطلان القبض عليهما
في واحدة من القضايا التي كشفت الفارق الدقيق بين سلطة الضبط وضمانات الحرية الشخصية، وقفت محكمة الجنايات أمام واقعة بدت في ظاهرها جريمة اتجار في المواد المخدرة، لكنها في جوهرها أثارت تساؤلات قانونية عميقة حول مشروعية القبض وصحة إجراءات الضبط.
اتهامان وُجها لشابين بإحراز مخدر الحشيش بقصد الاتجار، وضبطٌ نُسب إلى حالة تلبس في أحد شوارع الطالبية، غير أن أوراق الدعوى، وما حملته من مستندات رسمية ودفوع قانونية، رسمت صورة مغايرة دفعت المحكمة إلى تمحيص الوقائع بدقة، والموازنة بين أدلة الاتهام والنفي، وصولًا إلى حكم أسّس على احترام الدستور وسيادة القانون، وانتهى إلى براءة المتهمين ومصادرة المضبوطات.
قالت محكمة جنايات الجيزة في حيثيات حكمها برئاسة القاضي دكتور محمد الجنزوري وعضوية القاضاة محمد أحمد سلمان ووائل الشيمي و أيمن زعلوك بأمانة سر أحمد رفعت و ماجد منير، أنه بعد تلاوة أمر الإحالة، وسماع طلبات النيابة العامة، والمرافعة الشفوية، ومطالعة الأوراق، والمداولة قانونًا:
وحيث إن النيابة العامة اتهمت كلًّا من:
محمد جمعة، ومصطفى أحمد، لأنهما في يوم 17/9/2025 بدائرة قسم شرطة الطالبية بمحافظة الجيزة:
أحرزا بقصد الاتجار جوهرًا مخدرًا (الحشيش) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
وأحالتهما إلى هذه المحكمة، وطلبت معاقبتهما بالمواد 1، 2، 7/1، 34/1 بند (أ)، 42/1 من القانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، والمعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989، والبند رقم 54 من القسم الثاني من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون الأول، والمستبدل بقرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2022.
وذلك على سند من شهادة الرائد شرطة محمد علي عبد المنعم حبيب، معاون مباحث قسم شرطة الطالبية، وما ثبت من تقرير المعمل الكيماوي بمصلحة الطب الشرعي.
شهادة شاهد الواقعة
فقد شهد الرائد شرطة محمد حبيب أنه حال مروره بدائرة القسم لتفقد حالة الأمن العام، وبرفقته قوة من الشرطة السريين، وتحديدًا بشارع المريوطية دائرة القسم، أبصر المتهم الأول محمد جمعة يقود السيارة رقم ط هـ ف 2649 ملاكي بسرعة جنونية عكس الاتجاه، فقام بضبطه واستيقاف السيارة.
وأثناء ذلك قام المتهم الثاني مصطفى أحمد بفتح باب السيارة ومحاولة الفرار، إلا أنه تمكن من القبض عليه، وأبصره ممسكًا بقطعة من مخدر الحشيش كان يحاول إلقاءها والتخلص منها، فقام بضبطها من يده.
كما أبصر المتهم الأول – قائد السيارة – ومعه حقيبة كتف كان يضعها أسفل قدمه، فقام بالتحفظ عليها، وبفحصها تبين احتواؤها على عدد 4 قطع من جوهر الحشيش المخدر، كما وجد بداخلها مبلغ 14,100 جنيه، وعدد 2 هاتف محمول.
وبتفتيش المتهم الثاني عُثر معه على مبلغ 3,000 جنيه، وهاتف محمول. وبمواجهتهما أقرا بإحراز المخدر بقصد الاتجار، وأنهما كونا تشكيلًا عصابيًا لهذا الغرض الإجرامي، وأن المبالغ المالية المضبوطة حصيلة هذا الاتجار، والهواتف المحمولة للتواصل مع عملائهما من راغبي المواد المخدرة، وبالولوج إلى الهواتف المحمولة للمتهمين تبيّن وجود مقاطع مرئية لمخدر الحشيش.
التقرير الفني
وأثبت تقرير المعمل الكيماوي بمصلحة الطب الشرعي أن المضبوطات عبارة عن:
قطعة واحدة من جوهر الحشيش المخدر وزنها قائمًا 46 جرامًا،
وعدد 4 قطع من ذات المخدر وزنها قائمًا 76.181 جرامًا.
وبمعاينة النيابة العامة للسيارة المضبوطة تبين أن وعاء الضبط يتسع للمضبوطات.
وباطلاع النيابة العامة على هواتف المتهمين تبيّن احتواؤها على عدة صور ومقاطع تشير إلى قيام المتهمين بإحراز المادة المخدرة.
وباستجواب المتهمين بتحقيقات النيابة العامة أنكرا ما أُسند إليهما.
دفاع المتهمين
وبجلسة المحاكمة حضرا واعتصما بالإنكار، والدفاع الحاضر مع المتهم الأول شرح ظروف الدعوى، ودفع ببطلان القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس، وعدم معقولية تصور حدوث الواقعة، وانفراد الضابط بالشهادة، وحجبه باقي أفراد القوة، وانتفاء صلة المتهم بالمضبوطات، وبطلان الإقرار الوارد بمحضر جمع الاستدلالات، وطلب براءة المتهم مما أُسند إليه، وقدم حافظتي مستندات أحاطت بهما المحكمة.
كما انضم الدفاع الحاضر مع المتهم الثاني لذات الدفوع، وأضاف ببطلان التحقيقات لكون المتهم تم القبض عليه قبلها بثلاثة أيام، وبطلان الاستيقاف لانتفاء مبرراته، وبطلان تفريغ الهواتف لكونها كانت تحت يد المباحث قبل العرض على النيابة العامة بثلاثة أيام، وقدم حافظتي مستندات أحاطت بهما المحكمة، والتمس البراءة.
حيثيات المحكمة
وحيث إن المحكمة بعد أن محصت الدعوى وأحاطت بظروفها، وبأدلة الثبوت التي قام الاتهام عليها عن بصر وبصيرة، ووازنت بينها وبين أدلة النفي، داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات، ومن ثم فإنها ترجح دفاع المتهمين، وترى أن للواقعة صورة أخرى غير تلك التي قال بها شاهد الواقعة، أحجم عن ذكرها لإسباغ الشرعية عليها، الأمر الذي يجعل المحكمة تتشكك في صحة إسناد التهمة إلى المتهمين.
وآية ذلك بطلان القبض على المتهمين لعدم مشروعيته، لكون الضبط الحقيقي كان بتاريخ 16/9/2025 وليس في 17/9/2025 كما أثبته الضابط بمحضره، ارتكانًا إلى العرائض الرسمية المقدمة إلى منظومة العرائض الإلكترونية بمكتب النائب العام.
الأساس الدستوري والقانوني
لما كان الدستور قد كفل الحريات باعتبارها أقدس الحقوق الطبيعية للإنسان، بما نص عليه في المادة 54 من الدستور من أن الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، ولا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب، إلا في حالات التلبس.
كما أن المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 لا تجيز لمأمور الضبط القضائي القبض على المتهم أو تفتيشه بغير أمر قضائي إلا في أحوال التلبس، وبالشروط المنصوص عليها.
ومن المقرر أن حالة التلبس تستوجب أن يتحقق مأمور الضبط القضائي من قيام الجريمة بمشاهدتها بنفسه، أو بإدراكها بإحدى حواسه، وهو ما لم يتوافر في الواقعة، مما يبطل القبض وما ترتب عليه من أدلة.
وحيث ثبت من حافظة المستندات المقدمة من المتهم الثاني أن محاميه تقدم بعريضة رسمية لمكتب النائب العام رقم 5897 لسنة 2025 بتاريخ 17/9/2025، مرفق بها تظلم يفيد القبض على المتهم الثاني من أمام منزله دون وجه حق، واقتحام مسكنه دون إذن من النيابة العامة.
كما أُرفقت عريضة رسمية أخرى رقم 73299 بتاريخ 17/9/2025، وعريضة ثالثة رقم 75178 بتاريخ 22/9/2025، ومرفق إيصال مختوم بخاتم مكتب بريد الربيع الجيزي يفيد إرسال برقية بتاريخ 16/9/2025.
وهي مستندات رسمية تدل على أن القبض تم في 16/9/2025 وليس في التاريخ الذي أثبته الضابط، مما يقطع بتلفيق صورة واقعة غير حقيقية لإضفاء الشرعية على إجراءات باطلة.
وحيث إن الأوراق تنبئ عن بطلان القبض لعدم المشروعية، وهو ما يترتب عليه إهدار كافة الأدلة المستمدة منه، كما لا تطمئن المحكمة إلى أقوال شاهد الإثبات بشأن إقرار المتهمين بالاتجار، لكونه إقرارًا مجحودًا منذ بدء التحقيقات وحتى جلسة المحاكمة.
ولما كان الدليل القائم بالأوراق قد ران عليه الشك والوهن، وخَلَت الأوراق من دليل قاطع ينهض لإدانة المتهمين، فإن المحكمة تقضي عملًا بالمادة 304/1 من قانون الإجراءات الجنائية بـ:
براءة كل من محمد جمعة، ومصطفى أحمد مما أُسند إليهما، مع مصادرة المخدر المضبوط عملًا بالمادة 30/2 من قانون العقوبات.
- جنايات الجيزة
- محكمة الجنايات
- حقوق الإنسان
- النيابة العامة
- النائب العام
- بطلان القبض
- الطب الشرعي
- محكمة جنايات الجيزة
- المخدرات
- قانون العقوبات
- مكافحة المخدرات
- الدستور
- محافظة الجيزة
- سيادة القانون
- المواد المخدرة
- هيئة الدواء المصرية
- القاضي دكتور محمد الجنزوري
- رئيس هيئة الدواء المصرية
- تقرير المعمل الكيماوى
- رئيس هيئة الدواء
- قسم شرطة الطالبية
- الحرية الشخصية
- جمع الاستدلالات
- حالة التلبس
- مخدر الحشيش