لماذا تستحق المادة (64) المراجعة؟
يمثل تشكيل مجلس نيابي جديد يضم قامات قانونية مارست العمل الجنائي في النيابة العامة والقضاء والمحاماة فرصة حقيقية لإعادة النظر في بعض نصوص قانون الإجراءات الجنائية الجديد، قبل دخوله حيز التنفيذ.
ومن بين هذه النصوص، تثير المادة (64) من قانون الإجراءات الجنائية جدلًا قانونيًا مشروعًا، إذ أجازت ندب أحد مأموري الضبط القضائي للقيام بعمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق، عدا استجواب المتهم، ثم عادت فأضافت أنه يجوز له:
«أن يجري أي عمل آخر من أعمال التحقيق»،
كما أجازت له استجواب المتهم في الأحوال التي يُخشى فيها فوات الوقت، متى كان ذلك متصلًا بالعمل المندوب إليه ولازمًا لكشف الحقيقة.
وبذلك يكون النص قد دمج اختصاصين أصيلين، هما سلطتا الاستدلال والتحقيق، في يد شخص واحد هو مأمور الضبط القضائي، ناقلًا إياه من مجرد منفذ لقرار الندب في الحدود الواردة به، إلى مباشرة أي عمل من أعمال التحقيق، ولو لم يكن قد نُدب لإجرائه، متى قدّر ـ هو ـ ضرورة ذلك لكشف الحقيقة.
ويزداد الأمر خطورة في ظل غموض معيار «الأعمال الأخرى اللازمة والمتصلة»، والتوسع غير المنضبط في شرط «خشية فوات الوقت»، وهو ما جعل تقدير الاستثناءات ومبررات اتخاذ أي إجراء خاضعًا لإرادة مأمور الضبط القضائي وحده، رغم كونه خصمًا في مرحلة جمع الأدلة، يفتقر إلى حياد سلطة التحقيق، ولا يتمتع بذات الضمانات الإجرائية المقررة لها.
كما أن الرقابة القضائية اللاحقة قد تغدو رقابة غير فعالة، إذ قد لا تجد المحكمة في أوراق الدعوى ما يمكّنها من فحص مدى مشروعية اللجوء إلى تلك الاستثناءات في الواقع العملي.
ذلك أن نجاح أي إجراء في كشف الحقيقة لا يتوقف على النص وحده، وإنما على تفسيره وتطبيقه في أضيق نطاق، وإلا انقلب إلى أداة للعسف بالحقوق والحريات.
وقد أفرزت الحياة العملية، في عدد من القضايا الجنائية، مظاهر شطط في الإجراءات خلال مرحلة جمع الاستدلالات، الأمر الذي ينذر بإمكان انسحاب هذه الممارسات إلى إجراءات التحقيق ذاتها، في ظل الجمع بين سلطتي الاستدلال والتحقيق في يد شخص واحد.
ومن ثم، يتعين تفسير هذا النص تفسيرًا ضيقًا، لأن التوسع في تفسيره يؤدي إلى مخالفته لأحكام الدستور، ويجب قصر مدلوله على الأعمال الإجرائية المتصلة مباشرة بالعمل المندوب إليه، والتي لا تنال من الحرية الشخصية أو تقيدها، مثل سماع الشهود، وإجراء المواجهة، والانتقال للمعاينة، والتحفظ على الأشياء الظاهرة، وما يماثلها من أعمال إجرائية لازمة ومكملة لمأمورية الندب
