تاريخ من الصمود الصحي.. كيف واجه البابا تواضروس التحديات الطبية من ألمانيا إلى النمسا؟
في ظل حالة من الترقب والاهتمام الواسع من الأقباط والمصريين في الداخل والخارج، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في بيان رسمي صدر اليوم السبت 17 يناير 2026، عن استقرار الحالة الصحية لقداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
وجاء هذا البيان ليحمل أخباراً مطمئنة بعد خضوع قداسته لعملية جراحية دقيقة في إحدى الكليتين داخل أحد المستشفيات المتخصصة بجمهورية النمسا، مؤكداً نجاح التدخل الجراحي بالكامل وتماثل قداسته للشفاء.
تفاصيل الجراحة والوضع الصحي الحالي
كشف البيان الرسمي للكنيسة، الصادر عقب الجراحة التي أُجريت يوم الجمعة 16 يناير، أن التدخل الجراحي تم في إطار المتابعة الطبية الدورية التي يخضع لها قداسة البابا. وأكد الفريق الطبي المعالج في النمسا أن العملية تمت "بنجاح كامل وبنعمة الله"، دون وقوع أي مضاعفات تذكر أثناء أو بعد الجراحة.
ووفقاً للبروتوكول الطبي المتبع في مثل هذه الحالات الدقيقة، قرر الأطباء بقاء قداسة البابا لعدة أيام إضافية داخل المستشفى تحت الملاحظة السريرية الدقيقة. وتهدف هذه الفترة إلى التأكد من استقرار جميع المؤشرات الحيوية ووظائف الكلى بشكل تام قبل السماح لقداسته بالمغادرة. ومن المقرر أن ينتقل البابا عقب خروجه من المستشفى إلى دير القديس الأنبا أنطونيوس في النمسا، لقضاء فترة نقاهة هادئة وسط صلوات الرهبان، قبل أن يقرر الأطباء موعد عودته إلى أرض الوطن لاستئناف نشاطه الرعوي المعهود.
توقيت البيان واحتفالات عيد الغطاس
تزامن صدور هذا البيان الطبي المطمئن مع استعدادات الكنيسة القبطية للاحتفال بعيد الغطاس المجيد، مما أضفى حالة من الفرح والتعزية على قلوب المؤمنين الذين رفعوا صلوات خاصة من أجل سلامة "أبيهم وراعيهم". وقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي برسائل المحبة والدعوات، معبرة عن القيمة الكبيرة التي يمثلها البابا تواضروس كرمز للسلام والمحبة والوحدة الوطنية في مصر.
رحلة البابا مع التحديات الصحية: نموذج للصبر
لا تُعد هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها البابا تواضروس الثاني تحديات صحية بشجاعة وصبر؛ فمنذ جلوسه على الكرسي المرقسي في نوفمبر 2012 خلفاً للبابا شنودة الثالث، عانى قداسته من آلام مزمنة ناتجة عن حركته الكنسية المتواصلة وخدمته الشاقة.
في عام 2017، خضع البابا لعملية ميكروسكوبية دقيقة في العمود الفقري بمدينة ميونيخ الألمانية لعلاج آلام مبرحة، وتماثل للشفاء حينها سريعاً. كما تكررت زياراته العلاجية لأوروبا لمتابعة حالات مرتبطة بالظهر والمفاصل، وهو ما كان يقابله دائماً بشفافية تامة من قبل الكنيسة التي تحرص على إطلاع الشعب على تطورات حالته الصحية أولاً بأول.
البابا تواضروس.. عطاء روحي لا ينقطع
رغم المتاعب الجسدية، لم يتوقف البابا تواضروس الثاني يوماً عن أداء رسالته الروحية والوطنية. فقد اتسم عهده بالانفتاح المسكوني، وتطوير مؤسسات الكنيسة، وترسيخ قيم المواطنة. إن الاهتمام الشعبي والرسمي بحالته الصحية يعكس مكانة قداسته كشخصية وطنية مرموقة تحظى بتقدير كافة أطياف المجتمع المصري، وليس الأقباط وحدهم.
تظل الحالة الصحية لقداسة البابا تواضروس الثاني محور اهتمام ودعوات الملايين، ليس فقط لكونه الأب الروحي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بل لكونه رمزاً وطنياً صامداً في وجه التحديات. إن نجاح جراحته الأخيرة في النمسا هو استجابة لصلوات ارتفعت من القلوب في الكنائس والبيوت، وشهادة جديدة على قوة الإرادة التي يتمتع بها هذا الرجل الذي طالما وضع مصلحة الوطن والكنيسة فوق آلامه الشخصية.
لقد علمنا البابا تواضروس من خلال رحلته العلاجية الطويلة دروساً في الصبر والاتكال على الله، فبالرغم من الآلام المزمنة التي رافقت مسيرته منذ عام 2012، لم يغب يوماً عن مشهد وطني أو كنسي، وظل دائماً "صانعاً للسلام" وبانياً للجسور. إن فترة النقاهة التي سيقضيها في دير الأنبا أنطونيوس بالنمسا هي فرصة لالتقاط الأنفاس قبل العودة لمواصلة رحلة العطاء الشاقة. ننتظر بعودة قداسته إلى أرض مصر بسلامة وعافية، ليستكمل قيادة دفة الكنيسة بحكمته المعهودة، وليظل صوته دائماً منادياً بالحب والوحدة، فسلامة البابا هي سلامة لقلب مصر النابض بالقداسة والتاريخ. حفظ الله قداسة البابا وأدام عليه ثوب الصحة والعافية ليظل منارة روحية تضيء طريق المحبة للجميع.