"هل الرياضة وسيلة للتقارب والتآخي والتواصل بين القلوب أم وسيلة للكراهية والتعصب وتأجيج الشحناء بين الشعوب؟
سؤال يطرح نفسه في الآونة الأخيرة التي شهدتها تغيرا كبيرا في الساحة الرياضية التي شهدت حالة من الاحتقان والتوتر الشديد.
من البديهيات والمسلمات التي لا ينكرها عقل، ولا يغفلها إنسان صاحب فكر واع وعقل مستنير أن "الرياضة" أداة للتفاهم والتقارب بين الشعوب، وخلق حالة من التواصل الفعال والمنافسة الشريفة، والتحفيز الإيجابي، والمعرفة الرياضية، والتسلية الإمتاعية.
ومن الأمور المستقرة الراسخة في المعايير القيمية والأخلاقية أن "الرياضة" تنافس شريف بين طرفين، أحدهما فائز والآخر لم يحالفه التوفيق، وأن الفائز جدير بالتهنئة من قبل من غاب عنه التوفيق، وأن المنتصر يشد على أيدي الآخر، ويتمني له التوفيق في المنافسات المقبلة، رافعا راية التواضع وعدم التكبر أو معايرة الآخر أو الانتقاص منه، أو الحط من قدره، أو التنمر عليه.
ومن نافلة القول أن وسائل الإعلام - بشقيها التقليدي والرقمي- أداة مهمة لنقل الأحداث والفعاليات الرياضية، وتغطية أبعادها، وتسليط الضوء على أطرافها بموضوعية ومهنية لتؤدي دورها في تنمية الانتماء الحقيقي والترفيه الإيجابي، وخلق حالة من التقارب بين الشعوب والبلدان، وخلق حالة من الإجماع، وتنمية الشعور بالهوية والانتماء لدي الجمهور.
وفي ظل تحول الرياضة لصناعة كبري تتسلط عليها أضواء وسائل الإعلام، وكونها مادة ثرية للبرامج والقنوات والمنصات الرقمية المختلفة،
ولازدياد الشغف الجماهيري بمتابعة الفعاليات والأحداث الرياضية، ولظهور حالة من التعصب الرياضي والانتماء الزائف ظهرت بعض "المثالب" التي أدت إلى تفريغ الرياضة من مضمونها، وتحولها إلى أداة للخلاف والشقاق بين الجماهير فأصبحت "قنبلة موقوتة" قد تنفجر في أي لحظة لتلقي بظلالها على المجتمعات والشعوب.
وفي مقدمة الألعاب الرياضية التي تشهد حالة من العبث "كرة القدم"، والتي يسميها البعض "الساحرة المستديرة" لما لها من تأثير بالغ في الحالة المزاجية للجماهير التي تري فيها متنفساً من ضغوطات الحياة، والشعور بالمتعة ونشوة الانتصار، وهي " " رياضة جماهيرية" تحظي بمتابعة هائلة من ملايين الأفراد في جميع أنحاء العالم، وتقوم وسائل الإعلام بتسليط الضوء عليها في تغطيات مباشرة وغير مباشرة بشكل منقطع النظير.
ومن أبرز "العبثيات" التي سادت هذا المضمار الرياضي في الفعاليات الدولية أن تنتشر المساجلات والتناحرات، والمشاجرات، وقصف الجبهات بين المدربين والمسؤولين، وبين اللاعبين لتلقي بظلالها على الجماهير التي تغلبت عليها الرؤية الأحادية وانسلخت من عروبتها وقوميتها، ومنظومتها القيمية والأخلاقية.
ومن "الأمور العبثية" التي أصبحت ظاهرة لافتة للنظر تدني لغة الحوار بين الإعلاميين والمسئولين واللاعبين، والمدربين، وانتشار حالة من التسطيح، وعدم القدرة على إدارة الحوار، وتصيد الأخطاء، وعدم القدرة على معرفة الدور المنوط بكل من الإعلاميين والمسئولين لتتحول المؤتمرات الصحفية إلى حروب كلامية والانتصار لآراء فردية ومواقف شخصية بعيدة كل البعد عن العلاقات الدبلوماسية بين البلدان وأواصر القربي والتآخي بين أصحاب القومية الواحدة.
ومن مظاهر "العبث الإعلامي والرياضي" انتشار حالة من التنمر وسحق المنافسين عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتركيز على الإخفاقات الرياضية، والحط من قدر أصحابها، وتحويلهم لمادة دسمة ووجبة شهية لمنصات التواصل الاجتماعي التي تفتقر للمهنية ومراعاة الجوانب الأخلاقية، والمشاعر النفسية، والحقوق الشخصية للاعبين والمسؤولين.
ومن "العبث أيضا" قيام بعض صناع المحتوي باجتزاء جانب من الفعاليات الرياضية، وإخراجها من سياقها وتزييف حقيقتها، وفبركة بعض التصريحات، والتغيير في بعض الصور والتترات، وإنتاج الريلزات، لتحدث حالة من الاحتقان، ونبذ الآخر الرياضي، وتوسيع هوة الكراهية الرياضية التي فاقت المستويات المحلية إلى المستويات الدولية في ظاهرة تفت في عضد العروبة والأخوة والإنسانية التي أصبحت في مهب الريح بعد هذه الحالة الغريبة التي أدت إلى نمو الاستقطاب الرياضي، وخلق حالة من الاحتقان بين الجماهير.
ومن 'الهزل والعبث" ما نراه من بعض المسؤولين واللاعبين والجماهير الذين يعتقدون بالقوة الخارقة والسحر الأسود الذي يجعل فريقاً يتغلب على آخر خارج المستطيل الأخضر بفعل هذه القوة الروحية بغض النظر عن قوة كل فريق، ومستوى أدائه أثناء المباريات بما يرسخ لقيم سلبية تتنافى مع الأديان السماوية والأمور العقدية.
ومن "العبثيات الجلية" أن تستضيف المنصات الرقمية والقنوات الفضائية بعض المحللين غير المختصين الذين يفتقدون الخبرة والمهنية وينشرون التعصب البغيض بين الشرائح الجماهيرية.
ولم يخل المشهد من "عبث المؤثرين الرياضيين" الذين يتناولون الأحداث الرياضية بعيدا عن المهنية تحقيقا للرواج والذيوع والانتشار عبر البيئة الافتراضية، وينتجون محتويات رياضية فيها من الإسفاف والابتذال ما ترفضه الأنفس السوية.
ونظرا لأن الرياضة وسيلة من الوسائل المؤثرة في حياة الشعوب، ومظهرا من مظاهر الحضارة التي تؤثر في ارتباط الجمهور بموطنه، وكونها رافدا من روافد تنمية الانتماء والتمسك بالهوية، وتقوية الأواصر الاجتماعية، وتدعيم العلاقات الدبلوماسية بين الدول والشعوب؛ فلابد من الوقوف ضد هذا "العبث" الذي يؤدي إلى الاحتقان الجماهيري والتعصب الرياضي، وأحادية التناول الإعلامي الذي يفاقم التوتر الجماهيري ويخلق حالة الدوافع الانتقامية، حتي تستعيد الرياضة مكانتها، وتعود لسابق عهدها جسراً للتواصل الاجتماعي والتقارب الإنساني.
ولكي يتحقق هذا الأمر فلابد من تدريب الإعلاميين على أساليب التغطية الإعلامية للفعاليات الرياضية، ووضع استراتيجيات إعلامية ورياضية وتوعوية لمواجهة هذا العبث، وتوعية الجمهور توعية حقيقية وتأهيل الرياضيين لامتلاك مهارة التعامل مع الوسائل الإعلامية والضغوط الجماهيرية.