ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

وفاة رفعت الأسد… نهاية فصل مثير للجدل في تاريخ النظام السوري الحديث

خلف الحدث

في تطور مفصلي في المشهد السياسي السوري والعالمي، أعلنت مصادر متعددة وفاة رفعت الأسد – عم الرئيس السوري السابق بشار الأسد ورجل الحرب والسياسة الشهير بلقب «جزار حماة» – عن عمرٍ يناهز 88 عامًا، في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفق تقارير رويترز ووكالات أنباء دولية أخرى.

تنهي وفاة رفعت الأسد أحد أكثر الشخصيات إشكالية وإثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث، مسيرة امتدت لسنوات بين القمة والنزاع، بين القوة العسكرية والسطوة السياسية، وما تبعها من سنوات طويلة في المنفى والصراع على السلطة داخل أروقة العائلة الحاكمة.

من هو رفعت الأسد؟ قصة صعودٍ ونزاع

وُلد رفعت الأسد عام 1937 في مدينة القرداحة بمحافظة اللاذقية شمال غربي سوريا، في قلب عائلة الأسد السياسية، وهو شقيق الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد الذي حكم البلاد بين 1971 و2000.

شارك رفعت بشدة في انقلاب الحركة التصحيحية الذي قاده حافظ الأسد عام 1970، والذي وضع الأخير في سدة الحكم، قبل أن يتقلد مواقع قيادية في المؤسسة العسكرية والأمنية السورية، أهمها قيادة «سرايا الدفاع» (قوات النخبة التي شكلت أحد أدوات القوة في النظام).

لاحقًا شغل منصب نائب رئيس الجمهورية في ذروة سلطة النظام، وعُرف عنه طموحه نحو القيادة العليا، وهو طموح ترسخ بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000 حين أعلن نفسه خلافًا في مطلع انتقال السلطة إلى بشار، إلا أن هذا التحدي انتهى إلى فشل وسحب بصمته السياسية داخل البلاد.

العهود الدموية: «جزار حماة» وأحداث محور تاريخ سوريا

ارتبط اسم رفعت الأسد ارتباطًا وثيقًا بأحد أكثر الأحداث دموية في تاريخ سوريا الحديث، ألا وهي مجزرة حماة عام 1982، حين قُدّمت قواته للقضاء على انتفاضة مسلحة لجماعة الإخوان المسلمين في المدينة، في حملة عسكرية قال مراقبون إنها أدّت إلى سقوط عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، بينما تختلف التقديرات الرسمية وغير الرسمية، والأرقام تبقى ضمن نطاق واسع جدًا حسب مصادر حقوقية دولية.

اللقب الذي أعطاه له معارضوه – «جزار حماة» – يعبّر عن استياء عميق من دوره في تلك الحملة، التي بقيت محط نقاش تاريخي وإنساني سياسي واسع، وألقت بظلالها على صورة النظام السوري عبر العقود اللاحقة.

المنفى والعودة والهروب مجددًا

بعد خلافات عميقة داخل العائلة الحاكمة ومحاولة انقلابية فاشلة عام 1984، غادر رفعت سوريا إلى أوروبا، حيث عاش فترة طويلة في سويسرا وفرنسا في منفى سياسي ومالي.

خلال سنوات المنفى، تميّز وجوده بنشاط اجتماعي وسياسي مثير للجدل، واتُّهم (بما أوردته جهات حقوقية وقضائية أوروبية) بتورطه في قضايا فساد وغسيل أموال لبناء إمبراطوريات عقارية في دول أوروبية، وهو ملف غالبًا ما أثار تحقيقات قضائية عبر القارات.

عاد رفعت الأسد إلى سوريا عام 2021 بعد سنوات من الغياب، في خطوة اعتُبرت محاولة للتهرب من ملاحقات قضائية في أوروبا، قبل أن يهرب مرة أخرى عقب الإطاحة بنظام ابن أخيه بشار الأسد في ديسمبر 2024 على أيدي المعارضة المسلحة التي استولت على السلطة في دمشق وأجزاء كبيرة من البلاد.

الوصمة القانونية والاتهامات الدولية

لم يكن رفعت الأسد شخصية محايدة في الساحة الدولية، إذ اتُّهمته جهات قضائية مثل النيابة العامة في سويسرا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فيما يخص أدوارَ له في أحداث حماة 1982، وهو ملف شرّع التحقيق فيه القضاء الأوروبي كجزء من الجهود الدولية لرصد المسؤوليات عن الانتهاكات الكبيرة في سوريا.

تفاوتت الأرقام المتعلقة بعدد الضحايا بين آلاف وعشرات الآلاف حسب التقديرات المختلفة المقدمة من جماعات مراقبة حقوقية مستقلة، وهو أمر ظلّ يشكل جزءًا من النزاع السياسي والإنساني الأوسع حول تقييم فترة حكم الأسد وأدواته الأمنية.

وفاته… نهاية رمز ومثير للانقسامات

بحسب مصادر مقرّبة من العائلة وأجهزة إعلام دولية، توفي رفعت الأسد بعد إصابته بـ الإنفلونزا استمرت نحو أسبوع قبل وفاته، وذلك في دولة الإمارات، حيث كان يقيم بعد اضطرابات 2024.

يمثل رحيله نهاية فصل طويل من حياة شخصية أثارت مواقفها ردود فعل متباينة، فرغم موقعها في قلب السلطة لفترة طويلة، ظل اسمُه يُستدعى في النقاشات الحقوقية والسياسية كسجلّ رمزي لما يُنسب إلى نظام الأسد من قمع واستبداد امتدّ لعقود.

السياق التاريخي: تزامن مع تغيّرات جذرية في سوريا

تأتي وفاة رفعت الأسد في وقت يشهد فيه النظام السوري تحولات غير مسبوقة بعد سقوط الحكم الذي امتد لأكثر من خمسة عقود، ما يجعل لحظة رحيله قيمة تاريخية رمزية تتقاطع فيها الذاكرة السياسية مع قراءة مستقبلية لمسار البلاد في مرحلة ما بعد الأسد.

الخلاصة

وفاة رفعت الأسد لا تمثل مجرد رحيل شخصية سياسية عن التاريخ، بل إنهاء فصل معقد من تاريخ سوريا الحديث، فصل غارق في الصراعات، القمع، النزاعات العائلية، والملاحقات الدولية، وتثبّت مكانته كواحد من أكثر الوجوه المثيرة للجدل في المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط خلال الثلث الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

تم نسخ الرابط