ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بريطانيا تصر على تسليم جزر تشاغوس لموريشيوس في صفقة تاريخية رغم التوترات الدولية

خلف الحدث

في واحدة من أكثر الملفات الجيوسياسية إثارة للجدل في العقد الأخير، أعلنت المملكة المتحدة اليوم استمرارها في تنفيذ اتفاق نقل السيادة على أرخبيل جزر تشاغوس لصالح جمهورية موريشيوس، في خطوة أثارت ردود فعل سياسية وقانونية وأمنية واسعة عبر القارات، وسط تصعيد غير مسبوق من الجانب الأمريكي، ومخاوف متزايدة بشأن مستقبل التحالفات الغربية وحماية المصالح الاستراتيجية في المحيط الهندي.

يُعدّ هذا الاتفاق، الذي بدأ التفاوض حوله رسميًا منذ أوائل 2022، ثم وُقّع مبدئيًا في 22 مايو 2025، نتيجة عقود من المنازعات القانونية والدبلوماسية بين بريطانيا وموريشيوس التي طالبت بعودة الأرخبيل إلى سيادتها بعد أن فصلته لندن عن سلطة موريتيوس قبل استقلالها في الستينيات.

خلفية تاريخية: نزاع يمتد لأكثر من نصف قرن

يقع أرخبيل تشاغوس في وسط المحيط الهندي، ويشمل أكثر من 50 جزيرة صغيرة، من بينها دييغو غارسيا، التي تُعد من أكثر المواقع العسكرية حساسية في المنطقة. استعمرت بريطانيا الأرخبيل عام 1814، ثم فصلته عن موريشيوس عام 1965 قبل منح الأخيرة استقلالها عام 1968، وسط احتجاجات قضائية ودولية طويلة ترى أن هذا الانفصال لم يكن قانونيًا.

أُجبرت عائلات السكان التشاغوسيّين الأصليين، الذين يعيشون الآن في موريشيوس وسيشل، على مغادرة أرخبيل تشاغوس بين أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات لتسهيل إنشاء قاعدة دييغو غارسيا العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة، وهي قاعدة لعبت دورًا محوريًا في العمليات العسكرية الغربية منذ العقود الماضية.

في مايو 2025، وقع الطرفان اتفاقًا أُطلق عليه وصف التسوية التاريخية، يعيد السيادة القانونية لموريشيوس بينما يُبقي قاعدة دييغو غارسيا تحت امتياز تشغيل طويل الأمد لبريطانيا والولايات المتحدة لمدة 99 عامًا، مع التزامات مالية وتنموية تشمل ملايين الدولارات لصالح اقتصاد موريشيوس ومشروع إرساء استقرار قانوني وتنموي في المنطقة.

الحكومة البريطانية: التنفيذ ضرورة قانونية واستراتيجية واضحة

أكد مكتب رئيس الوزراء البريطاني أن الاتفاق سيُطبق كما هو، معتبرًا أنه امتثال للقانون الدولي وتقارير المحاكم الدولية التي اعتبرت السيادة السابقة على الجزر غير قانونية، وأن هذا التنفيذ يستجيب لقرارات الأمم المتحدة ومطالب الحقوق التاريخية لموريشيوس.

وأوضح المتحدث باسم الحكومة البريطانية أن تنفيذ الاتفاق لا يلغي المصالح الأمنية المشتركة مع الولايات المتحدة، بل يضمن استمرار عمل القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا، التي تُعد عنصرًا محوريًا في منظومات الدفاع الغربية تجاه الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

ينيط الاتفاق ببريطانيا وموريشيوس مسؤوليات مشتركة لضمان أن تكون القاعدة قاعدة آمنة وفعالة، وأن يوفر الاتفاق إطارًا طويل الأمد (99 عامًا) لاستمرار التعاون العسكري الاستراتيجي بين لندن وواشنطن.

الجدل الدولي: قوّات الأمن القومي أم احترام القانون الدولي؟

لم يخلُ الملف من انتقادات داخل بريطانيا نفسها، إذ عبّر عدد من النواب عن قلقهم من التنازل عن السيادة، معتبرين أن ذلك قد يقوّض المصالح الاستراتيجية ويضعف موقف لندن في المنافسة الدولية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا.

فعلى مستوى الشارع السياسي، شنّ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هجومًا حادًا على الاتفاق، واصفًا إياه بأنه “حماقة كبرى” و“تصرف غبي للغاية” يضعف الأمن القومي الغربي، ويُظهِر ضعفًا في مواجهة المنافسات الدولية، خاصة في سياق مطالبه بقضية غرينلاند وتحركاته لتوسيع النفوذ الأمريكي في مناطق حيوية أخرى.

في تصريحاته على منصته الخاصة، قال ترامب إن التخلي عن الأرض الاستراتيجية يعكس ضعفًا كبيرًا، وأن القوى المنافسة مثل الصين وروسيا سوف تستغل هذا الفراغ الاستراتيجي لصالحها.

وجاء ذلك بعد أن كان ترامب نفسه قد أيد الاتفاق في وقت سابق، ما يعكس تحولًا جذريًا في موقفه تجاه هذا الملف، وهو ما أثار تساؤلات دولية حول تأثير السياسة الداخلية الأمريكية على التحالفات التقليدية.

السكان الأصليون: نزاع حقوقي لم يُحسم بعد

يبقى ملف السكان التشاغوسيين الأصليين – الذين طُردوا من أرخبيلهم في الماضي – إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الاتفاق، إذ رغم الاعتراف بمطالبهم تاريخيًا، إلا أن شروط الاتفاق لا تضمن عودة كاملة واستقرار دائم لهم داخل جزرهم، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية محلية ودولية نقصًا في العدالة التاريخية رغم الاعتراف بالسيادة القانونية لموريشيوس.

أهمية دييغو غارسيا: مركز ثقل الاستراتيجية الغربية

قاعدة دييغو غارسيا ليست مجرد موقع عسكري؛ بل مركز عمليات إستراتيجية لدعم العمليات في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وقد استخدمت في عمليات كبرى عبر العقود الماضية، بما في ذلك إطلاق عمليات عسكرية جوية في مناطق نزاع مختلفة، وقد أشارت تحليلات استراتيجية إلى أن الحفاظ على تشغيلها تحت مظلة أمنية مشتركة كان من الدوافع الأساسية وراء الاتفاق بين بريطانيا وموريشيوس.

الخلاصة: اتفاق تاريخي في مواجهة انتقادات أمنية وسياسية

يُعدّ تنفيذ اتفاق تسليم جزر تشاغوس لموريشيوس واحدة من أكثر التحولات الدبلوماسية حساسية في العلاقات بين لندن وبيوت القوى الكبرى وشركائها، فهو يجمع بين:

  • مطالب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة بإعادة السيادة لموريشيوس،
  • والحفاظ على المصالح الاستراتيجية والأمنية الغربية عبر ضمان استمرار عمل قاعدة دييغو غارسيا،
  • وتحديات داخلية في بريطانيا وخارجها حول أولويات الأمن القومي واحترام حقوق الشعوب الأصلية.

الاتفاق يثير تساؤلات حول مدى قدرة التحالفات التقليدية على التوفيق بين الالتزامات التاريخية والأمنية وقواعد القانون الدولي في عصر تتغير فيه مواقع النفوذ العالمي بسرعة، في حين يبقى التوتر بين التصريحات السياسية وتحقيق المصالح الاستراتيجية واقعًا معقدًا يستمر في فرض آثاره على المشهد الدولي.

تم نسخ الرابط