ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

استذكاراً لحرب يونيو الـ 12 يوماً: طهران تعلن انتهاء مرحلة "ضبط النفس" وتبشر برد شامل

عباس عراقجي
عباس عراقجي

في ذروة التوترات الإقليمية التي بلغت مستويات غير مسبوقة مطلع عام 2026، اختار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، منصة "وول ستريت جورنال" الأمريكية ليوجه من خلالها التهديد الأكثر صرامة ومباشرة إلى الإدارة الأمريكية منذ سنوات. 

وتأتي هذه التصريحات في توقيت شديد الحساسية، حيث تسعى طهران لرسم خطوط حمراء جديدة بعد سلسلة من الأحداث الميدانية التي عصفت بالمنطقة. عراقجي، الذي يتحدث بصفتيْه "دبلوماسياً ومحارباً قديماً"، وضع العالم أمام معادلة صفرية مفادها أن بلاده "سترد بكل ما تملك" في حال تعرضها لأي هجوم جديد، مشدداً على أن هذه العبارات ليست مجرد مناورة خطابية أو تهديد فارغ، بل هي وصف دقيق لواقع ميداني سيفرض نفسه على الأرض إذا ما أخطأت القوى الغربية في تقدير الموقف الإيراني.

تداعيات الاضطرابات الداخلية ورؤية طهران للأزمة

حاول عراقجي في مقاله الأخير تقديم قراءة رسمية للأحداث الداخلية التي شهدتها إيران مؤخراً، مؤكداً أن "المرحلة العنيفة من الاضطرابات استمرت أقل من 72 ساعة"، في محاولة للتقليل من شأن الاحتجاجات التي وصفتها وسائل إعلام غربية بأنها الأكثر حدة. ولم يغفل الوزير الإيراني إلقاء اللوم مجدداً على من أسماهم بـ "المتظاهرين المسلحين"، محملاً إياهم مسؤولية اندلاع أعمال العنف التي تسببت في توتر العلاقات الدبلوماسية مع الغرب، والتي كان من نتائجها المباشرة سحب دعوته لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس".

 

 هذه الرؤية الإيرانية تهدف بالأساس إلى إيصال رسالة بأن الجبهة الداخلية قد استقرت، وأن الدولة باتت الآن متفرغة تماماً للتعامل مع التهديدات الخارجية التي تلوح في الأفق، خاصة مع استمرار التحشيد العسكري الأمريكي في الممرات المائية القريبة.

معادلة يونيو والرد العسكري "بلا تردد"

اللافت في خطاب عراقجي هو استحضاره المباشر للحرب التي استمرت 12 يوماً وشنتها إسرائيل على إيران في يونيو الماضي (2025)، حيث اعتبرها نقطة تحول جوهرية في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية. وبلهجة حاسمة، أوضح عراقجي أن "ضبط النفس" الذي مارسته طهران في يونيو لن يتكرر، مشيراً إلى أن القوات المسلحة الإيرانية باتت تمتلك الآن تفويضاً كاملاً للرد العنيف والمباشر دون أي تردد.

 وشدد على أن أي مغامرة عسكرية جديدة ضد المنشآت الإيرانية ستواجه بـ "واقع ميداني" مختلف تماماً، حيث سيتم تفعيل كافة القدرات الصاروخية والدفاعية في رد لن يقتصر على مصدر الهجوم فحسب، بل سيمتد ليشمل كافة المصالح الحيوية للخصوم في المنطقة، وهو ما يعكس انتقال طهران من مرحلة الدفاع السلبي إلى "الدفاع الاستباقي" والردع الشامل.

سيناريو الحرب الشرسة وتأثيرها العالمي

حذر عراقجي من مغبة الانجرار خلف "الجداول الزمنية الخيالية" التي تحاول إسرائيل وبعض وكلائها ترويجها للبيت الأبيض، والتي توحي بأن المواجهة مع إيران قد تكون محدودة أو خاطفة. 

وبدلاً من ذلك، أكد الوزير الإيراني أن أي مواجهة شاملة ستكون "شرسة بالتأكيد" وستمتد لفترات زمنية طويلة جداً، متجاوزة كافة التوقعات الغربية. وأضاف بلهجة تحذيرية أن هذه الحرب، إذا اندلعت، لن تبقى حبيسة الجغرافيا الإيرانية، بل "ستجتاح المنطقة بأكملها"، وسيكون لها تأثيرات كارثية ومباشرة على الناس العاديين في جميع أنحاء العالم، سواء عبر انقطاع سلاسل التوريد الطاقية أو عبر انهيار الأمن الإقليمي، مما يضع الاقتصاد العالمي بأسره على حافة الهاوية، وهي رسالة موجهة للناخب الغربي ولصناع القرار الاقتصادي في واشنطن ولندن.

سياق التحركات العسكرية الأمريكية والضغط الإقليمي

تأتي تهديدات عراقجي في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تحركات عسكرية أمريكية مريبة؛ حيث تتحرك مجموعة حاملة طائرات أمريكية غرباً قادمة من آسيا، تزامناً مع انتشار مقاتلات ومعدات متطورة في قواعد قريبة. ويأتي هذا الاستعراض للقوة بعد عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا الشهر من قبل القوات الأمريكية في منطقة الكاريبي، وهو الحدث الذي رأت فيه طهران "سابقة خطيرة" تعكس رغبة واشنطن في استخدام القوة العسكرية لتغيير الأنظمة. إيران تراقب هذه التحركات بدقة، وترى أن تخفيف حدة تصريحات الرئيس الأمريكي مؤخراً وربطها بوقف عمليات الإعدام بحق المحتجين ليس سوى "مناورة سياسية" تهدف إلى تهدئة الجبهة الإيرانية مؤقتاً لحين استكمال الترتيبات العسكرية الأمريكية في المنطقة.

دبلوماسية "البارود" ومستقبل المواجهة

ختاماً، يمكن القول إن مقال عباس عراقجي يمثل "الإنذار الأخير" قبل وقوع المحظور. فالجمهورية الإسلامية تحاول عبر هذه التصريحات تثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنع وقوع أي هجوم إسرائيلي أو أمريكي مستقبلي. ومع استمرار التحشيد العسكري في البحر والجو، يبقى التساؤل: هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة، أم أن المنطقة تتجه فعلياً نحو مواجهة "شرسة" كما وصفها عراقجي؟ الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة، خاصة مع ترقب العالم لردود الفعل في البيت الأبيض على هذا الخطاب الإيراني الصريح الذي لا يترك مجالاً للتأويل، ويضع الكرة في ملعب القوى الدولية لاختيار طريق التفاوض أو الانزلاق نحو حرب لن يخرج منها أحد منتصراً.

تم نسخ الرابط