ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

“مجلس السلام” بقيادة ترامب بين الطموح الجيوسياسي واختبار الشرعية الدولية

خلف الحدث

في خضم مرحلة دولية شديدة الاضطراب، تتراجع فيها فعالية المؤسسات متعددة الأطراف التقليدية، وتتصاعد النزاعات الإقليمية مع تعقّد موازين القوة العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق مبادرة جديدة تحت مسمى “مجلس السلام”، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في خطوة تعكس تحوّلًا واضحًا في مقاربة واشنطن لملفات النزاع، وعلى رأسها الحرب في قطاع غزة وتداعياتها الإقليمية.

المبادرة، التي قُدِّمت باعتبارها إطارًا دوليًا جديدًا للتنسيق السياسي والأمني والإنساني، لم تمر مرور الكرام؛ إذ سرعان ما تحولت إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط الدبلوماسية، بين من يراها محاولة لإعادة صياغة أدوات إدارة الأزمات الدولية خارج الإطار الأممي التقليدي، ومن يعتبرها امتدادًا لنهج أمريكي يسعى لفرض مسارات موازية للأمم المتحدة، بما يعكس تحولات أعمق في النظام الدولي ذاته.

وخلال أيام قليلة من تدشينها، وجدت المبادرة نفسها أمام اختبارات مبكرة، تمثلت في انسحابات دبلوماسية، وتباينات حادة في المواقف الغربية، مقابل انفتاح من قوى إقليمية ودولية أخرى، ما يجعل “مجلس السلام” نموذجًا مكثفًا لصراع الإرادات والنفوذ في عالم ما بعد الأحادية القطبية.

أولًا: تدشين المجلس وتوقيع الميثاق التأسيسي

أُطلقت مبادرة “مجلس السلام” رسميًا خلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث جرت مراسم توقيع الميثاق التأسيسي بحضور ممثلين عن نحو 22 دولة، في إطار مرحلة أولى تهدف – بحسب الإدارة الأمريكية – إلى دعم جهود وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنسيق المساعدات الإنسانية، والمساهمة في إدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المجلس لا يسعى إلى استبدال الأمم المتحدة، بل إلى العمل “بالتوازي والتكامل” معها، مشيرًا إلى أن المبادرة قد تتوسع لاحقًا لتشمل أزمات دولية أخرى، وفقًا لتطورات المشهد العالمي واحتياجات الأمن والاستقرار.

غير أن هذا الطرح، رغم لغته التصالحية، أثار منذ اللحظة الأولى تساؤلات حول حدود التنسيق مع المنظومة الأممية، وطبيعة الصلاحيات التي قد يسعى المجلس لممارستها مستقبلًا.

ثانيًا: سحب دعوة كندا وتصعيد دبلوماسي مبكر

في أول اختبار سياسي حاد للمبادرة، أعلن الرئيس الأمريكي سحب الدعوة الرسمية الموجهة إلى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للانضمام إلى “مجلس السلام”، وذلك عقب تصريحات أدلى بها الأخير في دافوس، انتقد فيها بعض السياسات الاقتصادية والتحركات الدولية للقوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة.

ترامب أوضح، عبر منصة “تروث سوشال”، أن كندا “لم تعد مدعوة” للانضمام إلى المجلس، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا غير مسبوق داخل أروقة المنتدى، وأثارت ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية الكندية.

من جانبه، رد كارني بتصريحات أكد فيها أن كندا تعتمد على اقتصادها ومؤسساتها وقدرتها الذاتية في تحقيق الاستقرار والنمو، وليس على مظلة أي قوة خارجية، في تبادل لفظي نادر يعكس هشاشة التوافقات داخل المبادرة الوليدة.

ثالثًا: انضمامات دولية متباينة وتوسع محسوب

رغم الخلاف مع أوتاوا، واصل ترامب توجيه الدعوات لدول أخرى للانضمام إلى “مجلس السلام”، حيث أبدت دول مثل المجر وبلغاريا وألبانيا استعدادًا مبدئيًا للانضمام أو مناقشة العضوية، مع ربط بعض العواصم القرار بموافقات داخلية وبرلمانية.

وفي تطور لافت، أعلن ترامب أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على الانضمام إلى المجلس، في خطوة تحمل دلالات جيوسياسية كبيرة، خصوصًا في ظل توتر العلاقات بين موسكو والغرب، وتفتح الباب أمام دور روسي محتمل داخل آلية دولية تقودها واشنطن، ولو بشكل غير تقليدي.

رابعًا: تحفظات غربية ومخاوف أممية

في المقابل، التزمت قوى غربية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا موقف الحذر، إذ لم تعلن انضمامًا رسميًا إلى المجلس حتى الآن، وسط مخاوف من تداخل أدواره مع صلاحيات الأمم المتحدة، وتقويض النظام الدولي القائم على الشرعية الأممية.

دبلوماسيون غربيون عبّروا، خلال جلسات غير رسمية في دافوس، عن قلقهم من أن تتحول المبادرة إلى منصة سياسية بديلة، تُستخدم لتجاوز آليات التوافق الدولي، أو لفرض حلول أحادية على أزمات معقدة تتطلب توافقًا دوليًا واسعًا.

خامسًا: مصر ودورها في سياق المبادرة

في هذا السياق، أعلنت مصر قبولها دعوة الانضمام إلى “مجلس السلام”، مؤكدة دعمها الكامل للجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار في غزة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والمشاركة في جهود إعادة الإعمار، في إطار تنسيق دبلوماسي واسع مع الولايات المتحدة وعدد من الشركاء الإقليميين والدوليين.

ويعكس الموقف المصري حرص القاهرة على البقاء داخل أي مسار دولي مؤثر يتناول القضية الفلسطينية، مع التمسك بدورها التقليدي كوسيط إقليمي رئيسي، ورفض أي ترتيبات تتجاوز الثوابت الدولية أو الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ما الذي يكشفه “مجلس السلام”؟

تكشف تطورات المبادرة عن عدة اتجاهات رئيسية في السياسة الدولية:

  • سعي الولايات المتحدة لإعادة صياغة أدوات إدارة الأزمات خارج القوالب الأممية التقليدية.
  • تصاعد التنافس بين المبادرات متعددة الأطراف والمؤسسات الدولية الراسخة.
  • انقسام واضح داخل المعسكر الغربي حول جدوى المبادرة وحدودها.
  • محاولة جذب قوى دولية وإقليمية مؤثرة لإضفاء وزن سياسي على المجلس منذ بداياته.

الخلاصة

بعد أيام قليلة فقط على تدشينه، بات “مجلس السلام” بقيادة ترامب اختبارًا مبكرًا لتحولات النظام الدولي، بين طموح أمريكي لإعادة هندسة مسارات الحلول السياسية، وتحفظات دولية تخشى تقويض الشرعية الأممية.

ومع انضمام قوى إقليمية ودولية مؤثرة، وغياب التوافق الغربي الكامل، يقف المجلس عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتحول إلى منصة تنسيق دولي فعّالة، أو أن يبقى ساحة جديدة للصراع السياسي والدبلوماسي في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

تم نسخ الرابط