«صوت هند رجب»… فيلم عالمي يعيد سرد مأساة غزة ويشق طريقه في سباق الأوسكار
في لحظة فنية وإنسانية تندمج فيها السينما مع الوثائق التاريخية، أصبح فيلم «صوت هند رجب» (The Voice of Hind Rajab) واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية التي أثارت جدلًا وتأثيرًا في المشهد الثقافي العالمي خلال موسم الجوائز السينمائية لعام 2026. العمل الذي أخرجته المخرجة التونسية كوثر بن هنية ارتقى سريعًا إلى منصات المشاركة الرسمية في أهم المهرجانات العالمية، وجذب اهتمام النقاد والجمهور على حد سواء، ليس فقط لقوته الفنية، وإنما أيضًا لموضوعه الإنساني المؤثر.
الفيلم الذي يستند إلى واقعة حقيقية مأساوية حدثت خلال الحرب في غزة في يناير 2024، يضع أصوات الضحايا وسط التجربة السينمائية، ويحوِّل صوت الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى رمزية تتردد على المسرح العالمي للسينما.
من هي هند رجب؟ وما قصة الفيلم؟
يروي الفيلم قصة هند رجب — طفلة فلسطينية لم تتجاوز 6 سنوات — التي قُتلت مع أفراد من عائلتها خلال محاولة فرارهم من قصف عسكري في قطاع غزة في 29 يناير 2024. الفيلم يعتمد في جوهره على التسجيلات الصوتية الحقيقية لآخر اتصال أجرته هند مع متطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني، بينما تنتظر فريق الإسعاف للوصول إليها، قبل أن تنقطع الاتصالات بفعل العنف الميداني.
ما يميز العمل هو أسلوبه المركَّز على الصوت ووحدة الصوتيات بدلًا من مشاهد القتال التقليدية، ما يُمكّنه من أن يُقدَّم كتجربة إنسانية مؤلمة تُركِّز على الألم والانتظار واليأس الذي عايشته الطفلة، ما يجعله أقرب إلى السينما الوثائقية‑الدرامية (Docudrama).
إخراج وإنتاج عالمي
الفيلم من إخراج كوثر بن هنية — مخرجة تونسية‑فرنسية معروفة عالميًا، والتي سبق أن حصلت على ترشيحين لجوائز الأوسكار عن أعمالها السابقة The Man Who Sold His Skin (2020) وFour Daughters (2023) — ما يجعل ترشيح هذا الفيلم الثالث في هذه الفعالية خطوة بارزة في مسيرتها الفنية.
قائمة المنتجين التنفيذيين للعمل تضم أسماء بارزة في صناعة السينما العالمية، من بينهم براد بيت، خوكين فونيكس، وروني مارا، ألفونس كوارون وغيرهم، ما يعكس ثقلًا إنتاجيًا ويؤشر إلى الدعم الدولي الكبير وراء المشروع.
الاحتفاء العالمي والمهرجانات الدولية
الفيلم حظي باستقبال استثنائي منذ عرضه الأول في الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي (Venice Film Festival) في سبتمبر 2025. عند عرضه، تلقى منذ اللحظة الأولى تصفيقًا طويلًا استمر لما يقرب من 24 دقيقة — وهو من بين أطول ردود الأفعال الجماهيرية في تاريخ المهرجانات السينمائية — وسط دموع وهتافات من الحضور.
في تلك الدورة، نال الفيلم جائزة الأسد الفضي – جائزة لجنة التحكيم الكبرى (Silver Lion Grand Jury Prize)، وهي إحدى أرفع جوائز المهرجان الذي يُعد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم، ما عزز مكانته على المسرح الدولي.
الفيلم أيضًا اختير لافتتاح مهرجان الدوحة السينمائي في قطر، واختُتم به المهرجان الدولي للسينما في القاهرة (CIFF) في نوفمبر 2025، مؤكدًا انتشارًا واسعًا في الفعاليات الكبرى داخل المنطقة وخارجها.
ترشيح الأوسكار وتأثيره الدولي
في يناير 2026، دخل فيلم «صوت هند رجب» سباق جوائز الأوسكار الـ98 بعد أن اختير رسميًا لتمثيل تونس في فئة أفضل فيلم دولي (Best International Feature)، بينما أعلن اسم الفائز في حفل الأوسكار المقرر في 15 مارس 2026 بمدينة لوس أنجلوس.
هذا الترشيح يُعد إنجازًا مهمًا، ليس فقط على مستوى الكوادر الفنية التونسية والعربية، وإنما أيضًا لطرحه موضوعًا سينمائيًا حساسًا يستند إلى حدث واقعي مؤثر، يمنح الصوت لضحايا الحرب وهي فئة لا تُعرض كثيرًا على المنصات الرئيسية للترشيح.
كوثر بن هنية وصفت الترشيح بأنه فرصة لإبقاء “صوت هند يتردد في كل أرجاء العالم” وأن السينما ليست مجرد هروب من الواقع، بل يمكن أن تكون “أفعالًا صريحة عن الحقيقة وما يحدث حولنا”.
الاستقبال النقدي والجماهيري
تلقى الفيلم إشادة نقدية واسعة على مواقع مراجعة الأفلام، مع تقييمات عالية تمثل إجماعًا نقديًا قويًا على جودة الإخراج والأداء، مع نسبة مراجعات إيجابية تجاوزت 90% في منصات تقييم النقاد.
وصف النقاد الفيلم بأنه “عمل لا يُنسى يتطلب المواجهة مع واقعه”، مشيرين إلى أن استخدام التسجيلات الصوتية الحقيقية أضاف بعدًا إنسانيًا صادمًا يصعب تجاهله.
رسالة الفيلم ودلالاته الإنسانية
بعيدًا عن التأثير الفني، يرى المتابعون أن فيلم The Voice of Hind Rajab ليس مجرد إنتاج سينمائي، بل توثيق ثقافي وإنساني لصوت طفلٍ فقد حياته في ظل صراع ممتد، ما يجسد قدرة الفن على نقل تجارب الملايين خلف الحدود السياسية والبـيـنـات الجغرافية.
يُنظر إليه كذلك كجسر يربط المشاهد بعالم يتعرض فيه المدنيون لأهوال الحرب، وكتذكير بأن الرواة في السرد السينمائي لا يقتصرون على الأحداث أو الشخصيات البالغة، بل يمكن أن يكون صوت طفل صغير أحد أقوى رواة التاريخ المعاصر.
خلاصة
فيلم «صوت هند رجب» يشكل مثالًا واضحًا لكيف يمكن للسينما العالمية أن تلتقط لحظات إنسانية مأساوية وتحوِّلها إلى سرد فني مؤثر قوي، يجذب الأنظار الدولية ويُثري النقاش حول قدرتها على إثارة الوعي العالمي حول قضايا الحرب والسلام والحقوق الإنسانية. من خلال مشاركته في المهرجانات الكبرى وجوائز الأوسكار، يُثبت العمل أن القصص الإنسانية الحقيقية ما زالت تمتلك القدرة على تغيير معايير الفن وإعادة تعريف رسالته في القرن الحادي والعشرين.