ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

إن المجتمع الإنساني فى أى زمان و فى أى مكان ، لابد له من وجود حد أدنى من القواعد المنظمة لسلوك أفراده ، وعلاقاتهم فيما بينهم سواء أكانت هذه القواعد شرعية أم قانونية ، و إلا أدى ذلك إلى سيطرة الأقوياء على الضعفاء وأيضاً إلى انتشار الفساد بين فئات المجتمع.   وتعد المحاكمة المنصفة من أهم ركائز تحقيق العدالة ، وبناء الثقة بين المجتمع والنظام القضائي، وذلك من خلال ضمانات تضمن حقوق المتهم في محاكمة عادلة وشفافة ، تتوافر فيها حق الدفاع ، والطعن في الأحكام القضائية. ومن أبرز تلك الضمانات مبدأ التقاضي على درجتين ، والذي يتمثل في الطعن في الأحكام الصادرة من المحاكم سواء من محاكم الجنح أو من محاكم الجنايات ، يكفل عرض موضوع الدعوى الجنائية على محكمة أعلى ، بهدف الحد من الأخطاء التي  قد تطرأ علي  الأحكام الصادرة من محكمة أول درجة. اعمالاً لقضاء محكمة النقض أن المقصود من عرض الدعوى على المحكمة الاستئنافية هو تصحيح ما قد يقع في الحكم المستأنف الصادر من محكمة أول درجة من خطأ، فمن حقها ، بل من واجبها وقد نقل الموضوع  إليها  برمته ،  أن ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح وتفصل في موضوع الدعوى بناءً على ما تراه هي من واقع أوراقها والأدلة القائمة فيها.([1]

    وقد نص الدستور المصري سنة 2014 في المادة 96 علي أن "المتهم برئ حتي تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه ، وينظم القانون استئناف الأحكام الصادرة في الجنايات . وتوفر الدولة الحماية للمجني عليه والشهود والمتهمين والمبلغين عند الإقتضاء وفقاً للقانون."

     واعمالاً لهذا الإلتزام الدستوري صدر القانون رقم (1) لسنة 2024 بتعديل  قانون الإجراءات الجنائية، الذي استحدث درجة الاستئناف للأحكام الصادرة من محكمة الجنايات، و أن حق الاستئناف ينشأ بصدور الحكم من محكمة جنايات أول درجة " وفقاً للمادة 419 مكرراً المضافة بالقانون السالف التي نصت على أنه " لكل من النيابة العامة والمتهم أن يستأنف الأحكام الحضورية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة .

    كما نص كذلك في المادة 419 مكررا/(2) علي أنه " يجوز للنيابة العامة أن تستأنف الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنايات. كما نص في المادة 419 مكررا(3) علي أنه "يتبع في نظر الإستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للإستئناف في مواد الجنح ما لم ينص القانون علي خلاف ذلك". وعلي ذلك فإن هذا  التعديل أجاز استئناف الأحكام الصادرة من محكمة جنايات الدرجة الأولى ، سواءً أكانت هذه الأحكام حضورية أم غيابية.

     إلا أن التطبيق العملي للنصوص التشريعية بصفة عامة والجنائية بصفة خاصة قد أسفر عن بعض المشكلات العملية والذي قد يستتبع بالضرورة التدخل التشريعي أو الإجتهاد القضائي أو الفقهي وصولاً لأمثل حل عادل حفاظاً على الحقوق والحريات ولتوحيد الأحكام والتى تمس بالقدر الأخير العدالة الجنائية وهيبة القضاء.

   وقد ظهرت بعض المشكلات العملية الجنائية أثناء التطبيق العملي لقانون الإجراءات الجنائية وإزدادت بجلاء واضح عقب صدور القانون رقم (1) لسنة 2024 بشأن تعديل بعض أحكامه.

    حيث توجد مشكلات عملية في تطبيق بعض النصوص الجنائية لا مجال لحصرها الأن فى البحث ، غير أننا نشير لبعض منها ، وعلى سبيل المثال صدور حكم غيابي فى جناية بالإدانة ثم استأنفت النيابة العامة ذلك الحكم للخطأ في تطبيق القانون وبعد ذلك قبض على المحكوم عليه وإعيدت إجراءات محاكمته والتي قضت ببرائته أو إدانته ، فما مصير استئناف النيابة العامة وما الحكم الصحيح الذي يتعين الحكم به ؟ وما مدي إمكانية الحكم بالوقف التعليقي لحين الفصل فى إعادة الإجراءات فى الحكم الجنائي الغيابي أمام محكمة أول درجة.؟

   وعلى ذلك سنقوم بعرض هذه المشكلة ، وقبل ذلك نعرض الحكمة من النص علي استئناف النيابة العامة للحكم الغيابي ، على النحو التالي:

  • الحكمة أو الغاية من إستئناف النيابة العامة للأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات وفقاً للقانون رقم (1) لسنة 2024 بشأن تعديل قانون الإجراءات الجنائية:

    نري من وجة نظرنا أن الغاية من المادة 419 مكررا/(2) من القانون رقم 1 لسنة 2024 المعدل لقانون الإجراءات الجنائية والتى تنص علي أنه " يجوز للنيابة العامة أن تستأنف الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنايات" ، تنحصر فيما يلي :

   من المعلوم أنه لا يجوز لمحكمة جنايات أول درجة فى حالة إعادة الإجراءات أن تشدد على المتهم في العقوبة وفقاً لنص المادة 395/2 من قانون الإجراءات الجنائية.([2]) أنه "...، ولا يجوز للمحكمة في هذه الحالة التشديد عما قضي به الحكم الغيابي." 

  ولما كان إستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي للخطأ فى تطبيق القانون ، أي أن محكمة أول درجة قضت بالمخالفة لما نص عليه القانون ، سواء بعقوبة مقيدة للحرية أو بغرامة أقل من المنصوص عليه، أو أكثر من الحد الأقصي المحدد قانوناً ، حتى مع استعمال الظروف المخففة وفقاً للمادة 17 من قانون العقوبات ، ولما كانت محكمة الجنايات المستأنفة تملك بإستئناف النيابة السلطة الكاملة بتشديد العقوبة والقضاء وفق صحيح القانون ، ومن ثم تصحح الحكم الغيابي الصادر بالإدانة والذي يتيح لمحكمة أول درجة عند إعادة الإجراءات القضاء وفق صحيح القانون حتى ولو كان بالتشديد على المتهم، وتستعيد سلطاتها كاملة وفقاً لحكم محكمة الإستئناف ولا تصبح مقيدة بنص المادة 395/2 من قانون الإجراءات الجنائية، أي يجوز لها التشديد علي المتهم حتي في حالة إعادة الإجراءات وفقاً لهذا الحكم.

استئناف النيابة العامة للحكم الغيابي بالإدانة للخطأ فى تطبيق القانون ثم قيام المحكوم عليه بإعادة الإجراءات عن ذات الحكم

   وفي هذا الفرض أو المشكلة العلمية ، أن متهم أحيل لمحكمة الجنايات ونسب إليه إتهام إتجار فى المواد المخدرة مثلا أو فى أي جريمة وقضي بإدانته غيابياً بعقوبة أقل من الحد الأدنى من العقوبة المقررة قانوناً ، حتى بعد استعمال الظروف المخففة وفقاً للمادة 17 من قانون العقوبات ، سواء كانت مقيدة للحرية أو أقل من الغرامة المقررة قانوناً ، أو أكثر من المنصوص عليه قانوناً ، فإستأنفت النيابة العامة ذلك الحكم للخطأ في تطبيق القانون ، و خلال فترة محاكمته ألقي القبض علي المحكوم عليه أو سلم نفسه وأعيدت إجراءات محاكمته .. فهذه الحالة تثير العديد من المشكلات العملية ، فقد يقضى فى إعادة الإجراءات أمام محكمة أول درجة بالبراءة أو بالإدانة أو قد يهرب من المحاكمة ويعتبر الحكم الغيابي مازال قائماً ، فما مصير تلك الأحكام على إستئناف النيابة العامة في الحكم الغيابي أو مدي جواز إعادة الإجراءات من المتهم أمام محكمة الإستئناف؟

   اختلفت الآراء حول هذه المشكلة ، فقد يقال أنه يمكن لمحكمة الإستئناف أن تحكم في أستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي بالبراءة استناداً لنص المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية والتى تنص علي أنه " إذا كان الإستئناف مرفوعاً من النيابة العامة فللمحكمة أن تؤيد الحكم أو تلغيه أو تعدله سواء ضد المتهم أو لمصلحته". 

  غير أن ذلك مردود عليه بأن ذلك مشروط بأن يكون استئناف النيابة العامة قائم ولم يقم المحكوم عليه بإعادة الإجراءات أو كان الحكم حضوريا للمحكوم عليه فإستأنفه أيضاً مع النيابة العامة ففي هذه الحالة تملك محكمة الإستئناف سلطتها كاملة في هذه الخصوص.

   وقد يقال أنه يمكن لمحكمة الإستئناف محاكمة المحكوم عليه أمامها في أستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي ، ولا يجوز له إعادة الإجراءات باعتبار أن القانون رقم 1 لسنة 2024 قد أنشأ درجة جديدة للتقاضي ومن ثم فلا مجال لإعادة الإجراءات .

   ولكن ذلك مردود عليه بأنه وفقا لنص المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية " إذا حضر المحكوم عليه في غيبته أو قبض عليه أو حضر وكيله الخاص وطلب إعادة المحاكمة قبل سقوط العقوبة بمضي المدة ، يحدد رئيس محكمة الإستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوي ، ويعرض المقبوض عليه محبوساً بهذ الجلسة ، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطياً حتي الانتهاء من نظر الدعوي ...." ومن ثم فلا يجوز لمحكمة الإستئناف محاكمة المحكوم عليه إستئنافياً فى إستئناف النيابة العامة لمخالفة ذلك لنص قانوني صريح ولم يتم إلغائه بالقانون رقم (1) لسنة 2024 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية ، طالما قام المحكوم عليه بإعادة الإجراءات أمام محكمة أول درجة، إضافة لمخالفة ذلك للنظام العام بشأن التقاضي على درجتين لكون هذا الإجراء يفوت على المتهم درجة من درجات التقاضي. إضافة إلي أن محكمة النقض قد قضت بأن الحكم الغيابي الصادر من محكمة الجنايات يبطل ويعتبر كأن لم يكن بحضور المحكوم عليه في غيبته أو بالقبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة ويعاد نظر الدعوي أمام المحكمة في حضوره ، ومن ثم فإن إعادة الإجراءات دائما أمام محكمة الجنايات هي محاكمة مبتدأه ، ومن ثم فإن الأحكام الصادرة من محاكم الجنايات لدى إعادة الإجراءات في الأحكام الغيابية بعد العمل بأحكام القانون رقم 1 لسنة 2024 والذي جري العمل بأحكامه في 17/1/2024 يجوز الطعن عليها بطريق الإستئناف أمام محكمة الجنايات المستأنفة وفقاً لأحكام القانون وحتي لا يتم تفويت درجة من درجات التقاضي علي المستأنف.([3])

    وقد يقال أيضاً أنه يمكن لمحكمة الإستئناف أن تقضي بعدم قبول الإستئناف فمردود عليه بأن إستئناف النيابة العامة وقت قيده كان في الميعاد المقرر قانوناً وكان سببه قانونياً وهو خطأ محكمة أول درجة في تطبيق القانون وهو سبب إستئناف النيابة العامة في هذا الخصوص.

   وقد يقال كذلك أنه يمكن الحكم بعدم جواز الفصل في إستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي حال قيام المتهم بإعادة الإجراءات والحكم ببراءته أمام محكمة أول درجة إستناداً إلي أن الحكم الصادر بالبراءة لم تقم النيابة العامة بإستئنافه ، وقد أصبح الحكم نهائياً بفوات مواعيد الإستئناف ، وحاز هذا الحكم حجية يمتنع على محكمة الإستنئاف نظر إستئناف النيابة عن الحكم الغيابي .

   إلا أن ذلك مردود عليه بأن المقرر في قضاء محكمة النقض أنه لما كانت المادة 454 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه " تنقضي الدعوى الجنائية بالنسبة للتهم المرفوعة عليه والوقائع المسندة إليه بصدور حكم نهائي فيها بالبراءة أو بالإدانة وإذا صدر حكم في موضوع الدعوى الجنائية، فلا يجوز إعادة نظرها إلا بالطعن في هذا الحكم بالطرق المقررة في القانون " - وكان مفاد هذا النص - على ما استقرت عليه أحكام محكمة النقض - أنه يشترط لصحة الدفع بقوة الشيء المحكوم فيه في المسائل الجنائية بما يتعين معه الامتناع عن نظر الدعوى: أولاً - أن يكون هناك حكم جنائي نهائي سبق صدوره في محاكمة جنائية معينة، وأن يكون بين هذه المحاكمة والمحاكمة التالية التي يراد التمسك فيها بهذا الدفع اتحاد في الموضوع والسبب وأشخاص المتهمين، ثانياً أن يكون الحكم صادراً في موضوع الدعوى سواء قضى بالإدانة وتوقيع العقوبة أو بالبراءة ورفض - توقيعها، أما إذا صدر حكم في مسألة غير فاصلة في الموضوع فإنه لا يحوز حجية الشيء المقضي به.([4]) ولما كانت المحاكمة أمام محكمة الإستئناف فى إستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي لذات المتهم إلا أنها لم تكن لذات السبب لكون محكمة أول درجة لم تفصل في الموضوع ولم تستنفد ولايتها بعد، ومن ثم فقد إختل شرط الحكم بعدم الجواز لسبق الفصل.

   ونرى بعد هذا العرض للمشكلة القانونية الماثلة ، أنه لا يجوز لمحكمة الإستئناف الفصل فى إستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي والذي قام المتهم باعاداة الإجراءات فيه وقضي فيها بالإدانة أو بالإدانة ، بغير الحكم بسقوط إستئناف النيابة العامة ، نظراً لسقوط الحكم المستأنف باعادة الإجراءات، وأصبح إستئناف النيابة العامة علي غير محل تأسيساً على:

  1. أن قيام المتهم بإعادة الإجراءات فإن الحكم الغيابى يسقط وفقاً لنص المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية. ودليل هذا السقوط هو أن محكمة أول درجة عند محاكمة المتهم لا تحكم بإلغاء الحكم الغيابى السابق ، بل تحكم فى الموضوع مباشرة ، مما يدل علي أن ذلك محاكمة مبتدأة ، ويعتبر الحكم الغيابى كأن لم يكن.

    وهو ما تأيد بالعديد من أحكام محكمة النقض إن المادة 224 من قانون تحقيق الجنايات – والتى تعادل المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية - إذ نصت على أنه "إذا حضر المحكوم عليه في غيبته أو قبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة يبطل حتماً الحكم السابق صدوره ..." قد أفادت صراحة أنه يترتب على حضور المحكوم عليه سقوط الحكم الغيابي حتماً بقوة القانون.([5]) وفي حكم آخر قضت بأن مقتضى نص المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية - من أنه إذا حضر المحكوم عليه في غيبته أو قبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة يبطل حتماً الحكم السابق صدوره ويعاد نظر الدعوى أمام المحكمة - هو سقوط الحكم الغيابي ذاته دون إجراءات المحاكمة ، ومن ثم فإنه يجوز للمحكمة عند إعادة المحاكمة أن تستند إلى التحقيقات التي تمت في المحاكمة الغيابية.([6]

    وفي حكم ثالث قضت بأن الحكم الغيابى الصادر من محكمة الجنايات يبطل ويعتبر كأن لم يكن بحضور المحكوم عليه في غيبته أو بالقبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة ويعاد نظر الدعوى أمام المحكمة في حضوره، ومن ثم فإن إعادة الإجراءات دائما أمام محكمة الجنايات هي محاكمة مبتدأه.([7])

  1. يؤيد رأينا ما ذهب إليه بعض الفقه في حالة استئناف النيابة العامة للحكم الصادر فى جنحة غيابياً بالإدانة للخطأ في تطبيق القانون ، ثم طعن المتهم بالمعارضة ، وقضي في معارضته بالإدانة أو البراءة ، فيسقط استئناف النيابة العامة للحكم الغيابي الذي تم إستئنافه تبعاً لسقوط الحكم الغيابي المعارض فيه.([8]) وهو ما تأيد بالعديد من أحكام محكمة النقض حيث قضت بسقوط استئناف النيابة تبعاً لمعارضة المتهم فى الحكم الغيابي.([9])

  وقياساً على هذا الرأي يمكن الحكم بسقوط استئناف النيابة العامة في حالة إستئناف النيابة العامة للحكم الغيابي في جناية ، طالما قام المحكوم عليه باعادة الإجراءات وقضي في إعادة محاكمته بالإدانة أو بالبراءة ، اعمالاً لنص المادة 419 مكررا/(3) من القانون رقم 1 لسنة 2024 المعدل لقانون الإجراءات الجنائية والتى تنص علي أنه " يتبع في نظر الإستئناف والفصل فيه جميع الأحكام المقررة للإستئناف في مواد الجنح ، ما لم ينص القانون علي خلاف ذلك." ومن ثم فلا غضاضة في إعمال هذا القياس لأنه ليس قياساً في التجريم وإنما قياساً في الإجراءات.

  1. يؤيد رأينا كذلك ما قضت به محكمة النقض بسقوط طعن النيابة العامة بالنقض في الحكم الغيابي تبعاً لإعادة الإجراءات وذلك قبل صدور القانون (1) لسنة 2024 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية والمتعلق بإستئناف أحكام محكمة النقض ، حيث قضت بأنه مؤدى نص المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية هو تقرير بطلان الحكم الصادر في غيبة المتهم واعتباره كأن لم يكن ، ولما كان هذا البطلان الذي أصاب الحكم الغيابي الصادر من محكمة الجنايات في الجناية المنسوبة إلى المطعون ضده فيه معنى سقوط ذلك الحكم مما يجعل الطعن فيه غير ذي موضوع ، فإن الطعن المقدم عن الحكم الغيابي يعتبر ساقطاً بسقوط ذلك الحكم الذي كان محلاً للطعن.([10])

     وفي حكم آخر قضت محكمة النقض بأن إجازة المادة 33 من القانون 57 لسنة 1959 للنيابة العامة والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها الطعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الجنايات في غيبة المتهم بجناية. مؤدى نص المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية هو تقرير بطلان الحكم الصادر في غيبة المتهم واعتباره كأن لم يكن إذا حضر أو قبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة. هذا البطلان فيه معنى سقوط الحكم الغيابي مما يجعل الطعن فيه غير ذي موضوع. الطعن المقدم من النيابة عنه يعتبر ساقطا بسقوطه.([11])

     وقد قضت أيضاً فى حكم آخر بأنه لما كانت المادة 395 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه إذا حضر المحكوم عليه فى غيبته أو قبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضى المدة بطل حتماً الحكم السابق صدوره سواء فيما يتعلق بالعقوبات أو بالتضمينات ويعاد نظر الدعوى أمام المحكمة.وإذ كان الحكم السابق بالتضمينات قد نفذ ، تأمر المحكمة برد المبالغ المتحصلة كلها أو بعضها، وإذا توفى من حكم عليه فى غيبته يعاد الحكم فى التضمينات فى مواجهة الورثة ، ومؤدى هذا النص هو تقرير بطلان الحكم الصادر فى غيبة المتهم بجناية واعتباره كأن لم يكن . لما كان ذلك وكان المطعون ضده ـ وفق ما أفصحت عنه النيابة العامة لدى محكمة النقض ـ قد أعيدت الإجراءات فى مواجهته وقضى فى الدعوى حضورياً بتاريخ 9 من أكتوبر سنة 1990 بالبراءة ، ومن ثم يضحى الحكم الغيابى المطعون فيه باطلا، ولما كان هذا البطلان فيه معنى سقوط الحكم مما يجعل الطعن فيه غير ذى موضوع ويعتبر ساقطاً بسقوطه.([12])

      وفي حكم آخر كذلك قضت محكمة النقض أن الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات تبطل حتما وبقوة القانون بحضور المحكوم عليه في غيبته أو القبض عليه قبل سقوط العقوبة بمضي المدة. عدم جواز إعادة القضية إلى غرفة الاتهام للنظر في إحالتها للمرة الثانية حتى ولو كان القرار الصادر منها غيابيا. بقاء الدعوى في حوزة المحكمة بقرار الإحالة الأول حتى يقضي فيها بحكم نهائي. عملا بالمادتان 191 ،395 من قانون الإجراءات الجنائية.([13])

     وعلي ذلك نري أنه من الأوفق في هذا الفرض أنه يتعين علي محكمة الإستئناف القضاء بسقوط إستئناف النيابة للحكم الغيابي لسقوط الحكم المستأنف بإعادة إجراءات المتهم واعيدت محاكمته ولكون إستئناف النيابة قد أصبح علي غير محل للأسباب السابقة.

   وفي النهاية أرجو ان أكون قد وفقت في عرض هذه المشكلة العملية وحلها ، وصولاً لتحقيق العدالة ، وحفاظاً علي توحيد الأحكام بين المحاكم ، فإن كان من توفيق فمن الله وإن كان من خطأ فمني ومن الشيطان وأعوذ بالله منه.

([1] ) الطعن رقم 1415 سنة  26 قضائية  نقضجنائي،  11 من فبراير1971مكتب فني8 ص 140

([2]) وفقاً لنص المادة 395/2 من قانون الإجراءات الجنائية والمستبدلة بالقانون رقم 11 لسنة 2017 أنه "إذا حضر المحكوم عليه في غيبته أو قبض عليه أو حضر وكيله الخاص وطلب إعادة المحاكمة قبل سقوط العقوبة بمضي المدة ، يحدد رئيس محكمة الإستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوي ، ويعرض المقبوض عليه محبوساً بهذ الجلسة ، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطياً حتي الانتهاء من نظر الدعوي ، ولا يجوز للمحكمة في هذه الحالة التشديد عما قضي به الحكم الغيابي....." 

([3]) الطعن رقم 9115 لسنة 94 قضائية نقض جلسة 15 فبراير 2025

([4]) الطعن رقم 5544 لسنة 53 نقض 14  مايو 1984 مكتب فني 35 رقم الجزء 1 ص 498

([5] ) الطعن رقم 369 لسنة 14 نقض 28 فبراير 1944 مكتب فني 6 ع ، الجزء 1 ، ص 410

([6] ) الطعن رقم 1049 لسنة 33 نقض 27 يناير1964 مكتب فني 15 ، الجزء 1 ، ص 87

([7]) الطعن رقم 9115 لسنة 94 قضائية نقض جلسة 15 فبراير 2025

([8]) د.عبدالرؤوف مهدي ، شرح قانون القواعد العامة لإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، 2002 ، ص1529

([9]) حيث قضت بأنه من المقرر قانوناً أن استئناف النيابة للحكم الغيابي يسقط إذا عدل هذا الحكم أو ألغي في المعارضة. ولما كان الحكم الابتدائي قد قضى غيابياً بمعاقبة المتهم الثاني بالحبس مع الشغل لمدة أسبوعين وكانت النيابة العامة قد استأنفت هذا الحكم كما عارض فيه المتهم أيضاً وقضي في معارضته بإلغاء الحكم المعارض فيه وإحالة الدعوى إلى محكمة الأحداث، فإنه كان من المتعين على محكمة ثاني درجة أن تقضي بسقوط استئناف النيابة . الطعن رقم 1264 لسنة 34 نقض 11 يناير 1965 مكتب فني 16 رقم الجزء 1 ص 31 ، الطعن رقم 1262 لسنة 37  نقض 23  أكتوبر 1967 مكتب فني 18 رقم الجزء 3 ص 1008 ، ونقض 13 إبريل سنة 1997 مجموعة أحكام النقض س 47 ص 458 رقم 67 .

([10]) الطعن رقم 240 لسنة 30  نقض 20 يونية 1960 مكتب فني 11 رقم الجزء 2  ، ص 587 

([11]) الطعن رقم 904 لسنة 33 نقض 16 ديسمبر 1963 مكتب فني 14 رقم الجزء 3 ، ص 917 

([12]) الطعن رقم 29037 لسنة 59 نقض 18 يناير 1998 مكتب فني 49 رقم الجزء 1 ، ص 262

([13] ) الطعن رقم 840 لسنة 33 نقض 17 ديسمبر 1963 مكتب فني 14 رقم الجزء 3 ، ص 946

تم نسخ الرابط