ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الجنايات المستأنفة تحسم الجدل: إعادة الإجراءات لا تُسقط الحكم الغيابي إذا حضر غير المتهم

المستشار شريف اسماعيل
المستشار شريف اسماعيل

تدور وقائع هذا الاستئناف حول إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بصحة إعادة إجراءات المحاكمة في حكم غيابي، وحدود سقوط هذا الحكم، وذلك في ضوء ثبوت اختلافٍ جوهري وقاطع في شخصية من باشر إعادة الإجراءات عن شخصية المتهم الحقيقي الصادر ضده الحكم الغيابي. 

كما يثير النزاع مدى التزام محكمة الموضوع بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وقضاء محكمة النقض المستقر، الذي اشترط لسقوط الحكم الغيابي حضور المتهم الحقيقي أمام المحكمة لإعادة نظر الدعوى، ورتب على تخلف هذا الشرط بقاء الحكم الغيابي قائمًا ومنتجًا لآثاره القانونية.

ويأتي هذا الاستئناف في سياق تطبيق نظام التقاضي على درجتين في مواد الجنايات، وما استتبعه من تنظيم جديد لاستئناف الأحكام الجنائية، وحدود ولاية محكمة الجنايات المستأنفة، لا سيما في الحالات التي تنتهي فيها محكمة أول درجة إلى براءة من تقرر بإعادة الإجراءات على أساس انتفاء صفته في الاتهام، بما يفرض على محكمة الاستئناف بسط رقابتها على مدى صحة هذا القضاء، وتحقيق التوازن بين ضمانات المحاكمة العادلة وصحيح تطبيق القانون.

قالت محكمة جنايات مستأنف برئاسة المستشار شريف إسماعيل، أنها بعد تلاوة أمر الإحالة، وسماع طلبات النيابة العامة والمرافعة، والاطلاع على الأوراق، والمداولة قانونًا:

وحيث إن وقائع الاستئناف وسائر أوجه دفاع المتهم المستأنف سبق وأن تناولها الحكم المستأنف، ومن ثم تحيل إليه المحكمة بشأنها، وتوجز الوقائع بالقدر اللازم لحمل أسباب هذا القضاء عليه، في أن النيابة اتهمت المستأنف ضده أحمد محمود، لأنه في يوم ٢٠١١/١/٢ بدائرة قسم الفيوم – محافظة الفيوم، أحرز بقصد التعاطي جوهرًا مخدرًا (نبات الحشيش الجاف) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا، وأحالته النيابة العامة إلى محكمة جنايات أول درجة، وطلبت معاقبته بالمواد ١ و٢ و١/٣٧ و١/٤٢ من القانون ١٨٢ لسنة ١٩٦٠ المعدل بالقانون رقم ١٢٢ لسنة ١٩٨٩، والبند رقم (٥٦) من القسم الثاني من الجدول رقم (١) الملحق بالقانون الأول والمستبدل بقراري وزير الصحة والسكان رقم ٤٦ لسنة ١٩٩٧ و٢٦٩ لسنة ٢٠٠٢.

وارتكنت النيابة العامة في اتهامها إلى ما ورد بقائمة أدلة الثبوت، ضمنتها شهادة النقيب شرطة محمد فكري قرني، معاون مباحث قسم شرطة الفيوم، بأنه ألقى القبض على المتهم، وبتفتيشه عثر معه على لفافة ورقية بها نبات عشبي يشبه نبات البانجو المخدر، وقد أقر له المتهم بإحرازها بقصد التعاطي.

وأفاد تقرير المعمل الكيماوي بمصلحة الطب الشرعي بأن المادة المضبوطة لنبات الحشيش الجاف "القنب" المدرج بالجدول الأول من قانون المخدرات وزنت ٧٫١٢ جرام.

ونُظرت القضية أمام محكمة جنايات أول درجة، ولم يحضر المتهم بشخصه، فأصدرت محكمة الجنايات بدرجتها الوحيدة آنذاك حكمًا غيابيًا بجلسة ٢٠١١/٦/١٥ بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات، وغرامة عشرة آلاف جنيه، وألزمته المصروفات الجنائية، ومصادرة المخدر المضبوط.

وإذ ضُبط المستأنف ضده أحمد محمود شعبان إبراهيم نفاذًا لذلك الحكم الغيابي، فقرر إعادة الإجراءات، وأعيد تداول القضية بالجلسات وفق الثابت بمحاضر الجلسات، وحضر المقرر بإعادة الإجراءات، وحضرت معه محامية للدفاع، وقدم، والمحكمة سألت المتهم عن الاتهام المسند إليه فأنكره، والدفاع الحاضر معه دفع بانقطاع صلة المتهم بالقضية، واختلاف توقيع المتهم بالتحقيقات عن التوقيع بوثيقة زواجه المقدمة بحافظة المستندات، وكذلك باختلاف محل الإقامة عن محل الإقامة الثابت بالتحقيقات، ومن ثم اختلاف شخصية المتهم الماثل عن المتهم مرتكب الواقعة.

وبجلسة ٢٠٢٥/٨/٢٧ أصدرت محكمة جنايات أول درجة حكمها حضوريًا ببراءة المتهم مما أسند إليه، ومصادرة المخدر المضبوط، وقد تأسس قضاء الدرجة الأولى بالبراءة على أن المحكمة تشككت في إسناد التهمة إلى المتهم لاختلاف شخصية المتهم الماثل عن شخصية المتهم الوارد بالتحقيقات، إذ بالمقارنة ثبت من بطاقة تحقيق الشخصية للمتهم الماثل أن رقمه القومي ٢٧١٩٣، ويقيم ش مسجد المساهمين – الدخيلة الجبل – الدخيلة الإسكندرية، وأنها صادرة بتاريخ ٢٠٢١/٦، في حين أن بيانات المتهم بالتحقيقات بتاريخ ٢٠١١/١/٣ أنه يبلغ ١٨ عامًا – عامل – مقيم علواية سعادة بجوار منزل السيد إبراهيم – الصوفي – بندر الفيوم، أي أن المتهم المعروض يختلف تمامًا عن المتهم المسؤول بالتحقيقات، إذ كان يلزم أن يكون عمره الآن ٣٢ عامًا، بينما كان الماثل بالغًا من العمر ٤٦ عامًا.

كما أن الثابت من الشهادة المقدمة بالأوراق أن المتهم الماثل كان مقيد الحرية من تاريخ ٢٠٠٧/٥/٢٨ حتى ٢٠١١/٩/١٨ وقت الواقعة محل الاتهام والحاصلة في ٢٠١١/١/٢، مما يتعين معه الاعتداد بإنكار المتهم الماثل وما أبداه من دفاع حاصله بأنه ليس المتهم مرتكب الواقعة، ومن ثم ترى أن دفاعه أولى مما عداه، ولا تعتد بشهادة من قام بالإجراء الباطل ولا بما أثبته بمحضرِه من أقوال واعترافات معزاة إلى المتهم، ومن ثم أحاط الشك بالدليل الوحيد بالأوراق، وهو شهادة ضابط الواقعة، مما لا ينهض دليلًا على صحة الاتهام وثبوته في حق المتهم، مما يتعين طرحه والقضاء ببراءة المتهم.

ولم ترتضِ النيابة العامة ذلك القضاء، فطعنت عليه بالاستئناف بموجب تقرير استئناف أودع قلم كتاب المحكمة مصدرة الحكم بتاريخ ٢٠٢٥/١٠/٨، موقعًا من المستشار المحامي العام لنيابات الفيوم الكلية، بالوكالة عن المستشار المحامي العام الأول لنيابة استئناف بني سويف، بموجب وكالة مسطورة بقرار المحامي العام الأول لنيابة استئناف المنصورة بتاريخ ٢٠٢٥/١٠/٨، مرفقة بالأوراق، ومصحوبة بمذكرة النيابة العامة بالاستئناف طويت على أسباب الاستئناف، بأن المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية نصت على أنه: "يجب أن يشتمل الحكم على الأسباب التي بني عليها"، ونصت المادة ٣٩٥ من ذات القانون على أنه إذا حضر المحكوم عليه في غيبته، أو قبض عليه، أو حضر وكيله الخاص وطلب إعادة المحاكمة قبل سقوط العقوبة بمضي المدة، يحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوى، ويعرض المقبوض عليه محبوسًا بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطيًا حتى الانتهاء من نظر الدعوى، ولا يجوز للمحكمة في هذه الحالة التشديد عما قضى به الحكم الغيابي. فإذا تخلف المحكوم عليه في غيبته أو وكيله الخاص عن حضور الجلسة المحددة لإعادة نظر دعواه، اعتبر الحكم ضده قائمًا، فإذا حضر المحكوم عليه في غيبته مرة أخرى قبل سقوط العقوبة بمضي المدة تأمر النيابة بالقبض عليه، ويحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوى، ويعرض محبوسًا بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطيًا حتى الانتهاء من نظر الدعوى.

وأنه استقر قضاء النقض على أن بطلان الحكم الغيابي طبقًا لهذا النص مشروط بحضور المتهم أمام المحكمة لإعادة نظر الدعوى، أما إذا أعيدت نظر الدعوى لشخص تبين على وجه الجزم أنه ليس هو الصادر ضده الحكم الغيابي، فإنه لا معنى لسقوط الحكم الأول، بل يجب في هذه الحالة أن يُقضى باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر وقضى في الدعوى ببراءة غير معني بالاتهام، فإنه يكون قد خالف القانون ووجب التصحيح بالقضاء باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا.

{ الطعن رقم ٣١٠٨ لسنة ٩٤ ق – جلسة ٢٠٢٥/٢/١١ }

وأنه بالبناء على ما تقدم، وكان الثابت أن الحكم المطعون فيه قد قضى ببراءة المطعون ضده استنادًا لما استخلصه من كون المتهم الماثل غير معني بالاتهام، وذلك على وجه الجزم واليقين، وكان من الثابت تخلف شرط حضور المتهم الحقيقي أمام المحكمة لإعادة نظر الدعوى، فإنه لا معنى لسقوط الحكم الأول، بل كان يتوجب على المحكمة في هذه الحالة أن تقضي باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا.

وانتهت النيابة في ختام مذكرة الأسباب إلى طلب قبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددًا باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا وفق صحيح القانون. 

وحيث تحددت جلسة لنظر الاستئناف ولم يحضر المتهم المستأنف ضده، وطلبت النيابة العامة الحكم بالاستئناف وفق صحيح القانون، وأرفقت كتاب المحامي العام الأول المؤرخ ٢٠٢٥/١٠/١٨.

وحيث إنه عن شكل الاستئناف المقام من النيابة العامة ضد المتهم عن الحكم الصادر بجلسة ٢٠٢٥/٨/٢٧، فإنه بالنظر إلى خطة المشرع في القانون رقم (١) لسنة ٢٠٢٤، نجد أنه بمقتضى مادته الثالثة أضاف إلى الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون الإجراءات الجنائية فصلًا ثانيًا بعنوان «في استئناف مواد الجنايات»، حيث أجاز للمتهم الطعن في الأحكام الصادرة من محكمة جنايات أول درجة إذا كانت حضورية فحسب، في حين منح النيابة العامة الحق في استئناف الأحكام الحضورية أو الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة، وأجاز كذلك بالمادة ٤١٩ مكرر/١ الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية من محكمة أول درجة من المدعي بالحقوق المدنية والمسؤول عنها.

 وعليه فإن المشرع أجاز استئناف أحكام محاكم جنايات أول درجة بالنسبة للدعويين الجنائية والمدنية، وإن اختلفت شروط الاستئناف وآثاره ونطاقه حسب الخصم المستأنف ووصف الحكم.

وإذ تبين انطواء الأوراق على قرار المحامي العام الأول لنيابة استئناف بني سويف بتوكيل المحامي العام لنيابات الفيوم بالتوقيع على تقرير الاستئناف بموجب الوكالة المسطورة، وإذ تم التوقيع على تقرير الاستئناف بموجب تلك الوكالة خلال مدة الستين يومًا المقررة للنائب العام، فيكون الاستئناف قد أقيم خلال الميعاد المقرر قانونًا استثناءً للنائب العام بمدة ستون يومًا من تاريخ صدور الحكم، إذ إنه وفقًا للمادة ٢٥ من قانون السلطة القضائية أن للمحامي العام الأول لدى محكمة الاستئناف كافة الاختصاصات المقررة للنائب العام في القوانين.

 وكان قانون السلطة القضائية قانونًا خاصًا، ومن ثم فهو مقدم على قانون الإجراءات الجنائية باعتباره قانونًا عامًا، ويُعمل بما أورده بالمادة ٢٥ منه في ذلك النطاق. وإذ وقع المحامي العام لنيابة الفيوم بصفته وكيلًا عن المحامي العام الأول لدى محكمة استئناف بني سويف بناءً على الوكالة المسطورة الصادرة بقرار من المحامي العام الأول لنيابة استئناف بني سويف، فقد أقيم الاستئناف في الميعاد مستوفيًا شروطه الشكلية، ومن ثم فهو مقبول شكلًا عملًا بالمادتين ٤١٩ مكررًا، ٤١٩ مكررًا/٤ فقرتي ١ و٣ من قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالقانون رقم (١) لسنة ٢٠٢٤ بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، وهو ما تقضي به هذه المحكمة.

ولما كانت المادة رقم ٣٧٣ من قانون الإجراءات الجنائية نصت على أن يُتبع في الدعاوى التي تنظرها محكمة الجنايات المستأنفة كافة الأحكام والأوضاع المقررة أمام محكمة جنايات الدرجة الأولى، وكان هذا النص بما تضمنه من ألفاظ واضحة الدلالة على أن إرادة المشرع اتجهت إلى سريان كافة الأحكام الإجرائية، ومن بينها – يقينًا – إعادة إجراءات المحاكمة في الأحكام الغيابية بالإدانة أمام محكمة الجنايات المستأنفة، أسوة بالأحكام بمحكمة جنايات أول درجة، إلا أنه ينبغي ملاحظة فارق جوهري بين طبيعة الأحكام الصادرة من محكمتي الجنايات بدرجتيها، وضعه المشرع في القانون رقم (١) لسنة ٢٠٢٤، وهو أن الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة، بناءً على استئناف المتهم، تكون دائمًا حضورية؛ إذ تلتزم محكمة الجنايات المستأنفة وفقًا لنص الفقرة الثانية من المادة ٤١٩ مكرر/٩ إجراءات جنائية، في حالة تخلف المتهم بغير عذر عن الحضور، بأن تندب له محاميًا، ومن ثم لا يتصور صدور أحكام غيابية من محكمة الجنايات المستأنفة بناءً على استئناف المتهم.

أما إذا كانت النيابة العامة هي الخصم المستأنف، فيتصور صدور أحكام غيابية بناءً على استئنافها، وكذلك الحال لو كان الاستئناف من المدعي بالحقوق المدنية أو المسؤول عنها بالنسبة للدعوى المدنية المثارة أمام محكمة جنايات أول درجة. 

واتساقًا مع هذا النظر، لم يتضمن القانون رقم (١) لسنة ٢٠٢٤ تعديلات جوهرية على أحكام الفصل الثالث من الكتاب الثاني في شأن الإجراءات التي تُتبع في مواد الجنايات في حق المتهمين الغائبين، مقتصرًا على تعديلات غايتها تحديد محكمة الجنايات المعنية بالمواد الواردة بهذا الفصل بعد أن بات التقاضي أمام محاكم الجنايات على درجتين، فاستبدلت المادة الأولى من القانون المار ذكره عبارة «محكمة جنايات أول درجة» بعبارة «محكمة الجنايات الواردة في المواد ٣٩٧، ٣٩٤، ٣٨٤»، ولم يجرِ أي تعديل على المواد أرقام ٣٩٥، ٣٩٣، ٣٩٢، ٣٩١، ٣٩٠.

وإذا ما تم استئناف الحكم الغيابي الصادر من محكمة جنايات أول درجة، سواء من النيابة العامة إعمالًا للمادة ٤١٩ مكررًا/٢، أو من المدعي بالحقوق المدنية أو المسؤول عنها بالنسبة للدعوى المدنية المثارة أمام محكمة الدرجة الأولى إعمالًا للمادة ٤١٩ مكررًا/١ حال تحقق شروط الاستئناف، ولم يحضر المتهم أمام محكمة الاستئناف رغم إعلانه، يُحكم في غيبته، فإذا صدر ضده حكم غيابي بالإدانة سواء بإلغاء البراءة، أو بتأييد أو تعديل العقوبة المقضي بها بموجب حكم محكمة جنايات أول درجة، وكذلك في الدعوى المدنية بالقبول والإلزام، يكون هذا الحكم الغيابي الاستئنافي قابلًا لإعادة الإجراءات، بحيث يترتب على حضور المحكوم عليه بنفسه أو بوكيله الخاص، أو القبض عليه، سقوطه وبما قضى به من عقوبات وتعويضات وحقوق مدنية، وتتم إعادة الإجراءات.

المحكمة تؤكد: حضور شخص غير معني بالاتهام لا يُرتب سقوط الحكم الغيابي

ومما تقدم نخلص أن محاكم الجنايات المستأنفة قد تصدر أحكامًا غيابية تخضع لنظام إعادة الإجراءات، وتثار في هذا المقام إشكالية حول المحكمة التي تختص بإعادة الإجراءات، هل هي محكمة جنايات أول درجة أم محكمة الجنايات المستأنفة؟ وبالرجوع للأصول العامة في طرق الطعن في الأحكام الجنائية، نجد أنه يشترط في الأحكام الجائز استئنافها أن تكون فاصلة في الموضوع بموجب قضاء استنفذت به محكمة أول درجة ولايتها.

 أما في حالة عدم استنفاد محكمة أول درجة ولايتها بالحكم في موضوع الدعوى، فلا يسوغ للمحكمة الاستئنافية التصدي لها، وإلا كان حكمها باطلاً. 

لذلك، فإن الإجابة على هذه الإشكالية تقتضي الوقوف على ما إذا كانت محكمة جنايات أول درجة قد استنفدت ولايتها بحكمها المطعون عليه بالاستئناف سواء بالبراءة أو الإدانة، وما اشتمل عليه من قضاء عن الفعل محل الاتهام.

وحيث إنه عن موضوع الاستئناف، وكان المقرر قانونًا أن استئناف النيابة العامة لا يتقيد بأي قيد وأنه ينقل الدعوى الجنائية برمتها أمام المحكمة الاستئنافية لمصلحة أطراف الدعوى الجنائية جميعًا، وتفصل فيه المحكمة بما يخولها النظر من جميع نواحيها، غير مقيدة في ذلك بما تضعه النيابة في تقرير استئنافها. وأن قضاء محكمة الجنايات المستأنفة بتشديد العقوبة المحكوم بها على المتهم أو بإلغاء حكم البراءة الصادر من محكمة أول درجة يجب أن يصدر بإجماع الآراء.

وكان اللازم في أصول الاستدلال أن يكون الدليل الذي يعول عليه الحكم مؤديًا لما رتبه عليه من نتائج في غير تعسف في الاستنتاج، ولا تنافر مع حكم المنطق. ولأن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين من الواقع الذي يثبته الدليل المعترف به، ولا تؤسس على الظن والاحتمال من الفروض والاعتبارات المجردة. 

وكان المعتمد قانونًا في المحاكمة الجنائية هو اقتناع قاضي الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته. ولأن ملاك الأمر في الدعوى هو وجدان قاضيها الذي يُنزله المنزلة التي يراها، ويقدره التقدير الذي يطمئن إليه.

وكانت العبرة في المحاكمات الجنائية، وفقًا لمبدأ الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي، هي باقتناع قاضي الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليه بإدانة المتهم أو ببراءته. ولا يشترط أن تكون الأدلة التي يُعتمد عليها الحكم مباشرة، بل يكفي أن يكون استخلاص ثبوتها عن طريق الاستنتاج بما تكشف للمحكمة من الظروف والقرائن وترتيب النتائج على المقدمات مأخوذة من إجراءات مشروعة.

وكانت المادة ٣١٠ من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت في كل حكم بالإدانة أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بيانًا تتحقق به أركان الجريمة التي دان المتهم بها، والظروف التي وقعت فيها، والأدلة التي استخلصت منها المحكمة ثبوت وقوعها من المتهم.

وكانت المادة ٣٩٥ من ذات القانون قد نصت على أنه إذا حضر المحكوم عليه في غيبته، أو قبض عليه، أو حضر وكيله الخاص وطلب إعادة المحاكمة قبل سقوط العقوبة بمضي المدة، يحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوى، ويعرض المقبوض عليه محبوسًا بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطيًا حتى الانتهاء من نظر الدعوى، ولا يجوز للمحكمة في هذه الحالة التشديد عما قضى به الحكم الغيابي.

 فإذا تخلف المحكوم عليه في غيبته أو وكيله الخاص عن حضور الجلسة المحددة لإعادة نظر دعواه، اعتُبر الحكم ضده قائمًا. فإذا حضر المحكوم عليه في غيبته مرة أخرى قبل سقوط العقوبة بمضي المدة، تأمر النيابة بالقبض عليه، ويحدد رئيس محكمة الاستئناف أقرب جلسة لإعادة نظر الدعوى، ويعرض محبوسًا بهذه الجلسة، وللمحكمة أن تأمر بالإفراج عنه أو حبسه احتياطيًا حتى الانتهاء من نظر الدعوى.

وأنه من المقرر قانونًا وبقضاء النقض أن بطلان الحكم الغيابي مشروط بحضور المتهم أمام المحكمة لإعادة نظر الدعوى.

 أما إذا أعيدت نظر الدعوى لشخص تبين على وجه الجزم أنه ليس هو الصادر ضده الحكم الغيابي، فإنه لا معنى لسقوط الحكم الأول، بل يجب في هذه الحالة أن يقضى باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا. 

لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر وقضى في الدعوى ببراءة الغير المعني بالاتهام، فإنه يكون قد خالف القانون ووجب التصحيح بالقضاء باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا.

ولما كان ذلك، ما تقدم، وكان البين من مدونات وأسباب الحكم المستأنف الصادر ببراءة المتهم، قد قام على أسباب حاصلها أن أحمد محمود شعبان إبراهيم الذي جرى محاكمته بالحكم المستأنف والذي قرر بإعادة الإجراءات، يختلف تمامًا عن الشخص أحمد محمود شعبان إبراهيم المتهم بالواقعة محل الاتهام، مستدلاً صحيحًا على ذلك الاختلاف في الشخصية على البيانات المثبتة في تحقيقات النيابة العامة التي أجريت بتاريخ ٢٠١١/١/٣، من كون المتهم مرتكب الواقعة مسمى بذات الاسم وأنه يبلغ ١٨ عامًا ويعمل عاملًا ومقيمًا في علواية سعادة بجوار منزل السيد إبراهيم - الصوفي - بندر الفيوم، ويلزم أن يكون عمره الآن ٣٢ عامًا، بينما كان الذي قرر بإعادة الإجراءات ويجري محاكمته بذات الاسم، رقمه القومي ٢٧٩٠٩٣ ويقيم في ش مسجد المساهمين - الدخيلة الجبل - الدخيلة - الإسكندرية، وأنها صادرة بتاريخ ٢٠٢١/٦ وعمره الآن ٤٦ عامًا.

كما أن الثابت من الشهادة المقدمة بالأوراق أن المتهم الماثل كان مقيد الحرية من تاريخ ٢٠٠٧/٥/٢٨ حتى ٢٠١١/٩/١٨ وقت الواقعة محل الاتهام التي حدثت في ٢٠١١/١/٢، بمعنى أن المتهم المعروض الذي قرر بإعادة الإجراءات يختلف تمامًا عن المتهم المسؤول بالتحقيقات وهو المعني بالاتهام. فكان ذلك من الحكم المستأنف صحيحًا ومأخوذًا من أصل ثابت بالأوراق قاطعًا بأن من قام بإعادة الإجراءات في الحكم الغيابي الصادر بجلسة ٢٠١١/٦/١٥ بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وغرامة عشرة آلاف جنيه وألزمه المصروفات الجنائية ومصادرة المخدر المضبوط، هو شخص آخر يختلف عن المتهم مرتكب الواقعة والمحكوم عليه ولا صفة له في ذلك الإجراء، ومن ثم لا يُعتد بذلك الإجراء للقطع بسقوط ذلك الحكم الغيابي آنف البيان ويظل على حالته باعتباره قائمًا.

إذ أن بطلان الحكم الغيابي مشروط بحضور المتهم أمام المحكمة لإعادة نظر الدعوى. فإذا ما أعيدت نظر الدعوى لشخص تبين على وجه الجزم أنه ليس هو الصادر ضده الحكم الغيابي، فلا معنى لسقوط الحكم الأول ويجب في هذه الحالة أن يقضى باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر وقضى في موضوع الدعوى ببراءة القائم بإعادة الإجراءات نافياً عنه الفعل رغم تأكيده بأنه الغير معني بالاتهام بالأساس، فقد غلبه التهافت والخلل الجسيم في فهم الواقع في الدعوى وحقيقة شخصية الخصوم فيها ومدى اتصالهم بالدعوى من الأساس ومدى صفتهم في التدخل بالدعوى.

ويكون بهذه المثابة قد خالف صحيح القانون ووجب التصحيح بإلغائه والقضاء باعتبار الحكم الغيابي ما زال قائمًا، وهو ما تقضي به هذه المحكمة الاستئنافية باعتبارها محكمة الموضوع، وذلك على نحو ما سيرد بالمنطوق.

وحيث إنه عن المصاريف، فإن المحكمة تمسك عن القضاء بها إذ لا تجد في الاستئناف من هو معنٍ بالاتهام كي تلزمه بأي مصاريف.

فلهذه الأسباب، حكمت المحكمة غيابيًا بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف، واعتبار الحكم الغيابي الصادر بجلسة ٢٠١١/٦/١٥ مازال قائمًا.

تم نسخ الرابط