حيثيات الحكم: الأب لم يرحم ابنه.. نهاية مأساوية لشاب قيده والده وأغرقه
في جريمة هزّت الضمير الإنساني قبل أن تهز أروقة العدالة، كشفت محكمة الجنايات عن واحدة من أبشع صور العنف الأسري، حين تحوّل الأب من ملاذ أمان إلى أداة قتل، ومن سند لابنه إلى سبب مباشر في إنهاء حياته.
واقعة بدأت بمكالمة هاتفية عن شجار عائلي، وانتهت بجثمان شاب مكبل اليدين والقدمين يطفو على سطح مياه مصرف مائي، في مشهد يلخص مأساة إنسانية مكتملة الأركان، تختلط فيها قسوة الفعل ببرود التخطيط، وتتصادم فيها روابط الدم مع سبق الإصرار.
وفي حيثيات حكمها، سردت المحكمة تفاصيل دقيقة لجريمة ارتكبها الأب بحق نجله، بعدما أعد لها بهدوء، ودبّر خطواتها واحدة تلو الأخرى، مستغلًا ضعف ابنه وفقدانه الوعي، لينفذ مخططه الإجرامي حتى نهايته، غير عابئ بصلة الأبوة ولا بنداءات الرحمة. تفاصيل رسمت للمحكمة يقينًا لا يتزعزع بارتكاب جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار، وانتهت بإدانة المتهم ومعاقبته بالسجن المشدد، في محاولة لاقتصاص العدالة من فعلٍ تجاوز كل حدود الإنسانية.
من كوب شاي إلى مصرف مائي.. كيف خطط أب لقتل نجله؟
قالت المحكمة في حيثيات حكمها، برئاسة المستشار طارق خميس، وعضوية المستشارين أحمد سليم ومحمد حسن خطاب، وبحضور محمد مجدي الشامي وكيل النيابة، وأمانة سر عبد العزيز مناع، إن واقعة الدعوى – حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن إليها ضميرها وارتاح لها وجدانها – مستخلصة من أوراق الدعوى وما تم فيها من تحقيقات، وما دار بشأنها بجلسة المحاكمة، تتحصل في أنه بتاريخ الواقعة كان المتهم عبد الله صلاح أحمد عبد الله يعمل بائع خضار مستخدمًا دراجة نارية ثلاثية العجلات «تروسيكل» خاصة به، وحال تواجده بعمله تلقى اتصالًا هاتفيًا من أحد الأهالي أخطره خلاله بأن نجله المجني عليه خالد يثير المشاكل والفوضى داخل منزل الأسرة.
وحال علم المتهم بذلك، هرع إلى مسكنه مسرعًا، لعلمه المسبق باعتياد نجله تعاطي المواد المخدرة واعتدائه المتكرر على والدته وشقيقته. وبوصوله إلى المنزل، تمكن من تهدئة نجله، وأعد له كوبًا من الشاي دس بداخله ثلاثة أقراص مهدئة، وقدمه له، فقام المجني عليه بتناوله.
وانتظر المتهم برهة من الوقت حتى تأكد من أن نجله لم يعد في كامل وعيه، ثم تواصل مع صديقه متولي أحمد متولي وطلب منه دراجة نارية، حيث توجهوا جميعًا إلى مرآب (جراج) يقع بنهاية الشارع محل سكن المتهم.
وبعد وصولهم إلى الجراج، طلب المتهم من العمال المتواجدين الانصراف، متذرعًا برغبته في اصطحاب نجله إلى إحدى مصحات علاج الإدمان.
وما إن انصرف الجميع، حتى قام المتهم بتوثيق نجله المجني عليه من يديه وقدميه باستخدام حبل أبيض كان قد أعده مسبقًا لهذا الغرض.
وعقب ذلك، قاد المتهم الدراجة النارية وبصحبته المجني عليه إلى مصرف المريوطية، حيث وضعه على الدراجة النارية عند حافة المصرف، ثم قام بدفعه وإلقائه داخل المياه وهو موثق بالحبال على النحو سالف البيان، الأمر الذي أدى إلى وفاته غرقًا، وذلك على النحو الوارد تفصيلًا بتقرير الصفة التشريحية.
الجريمة الكاملة.. اعترافات وتحريات وتقارير أدانت الأب القاتل
وحيث إن الواقعة على النحو السالف البيان، قد استقام الدليل على صحتها وثبوتها في حق المتهم، وذلك مما جاء باعترافه بتحقيقات النيابة العامة، وما شهد به كل من محمد سعيد عبد العاطي محمود، وشريف محمد حسن عثمان، وداليا حماد أحمد عويس، وما قرره المقدم أحمد عكاشة رئيس مباحث القسم، فضلًا عما ثبت من إجراء المتهم للمحاكاة التصويرية لارتكاب الجريمة، وما ورد بتقرير الصفة التشريحية الخاص بالمجني عليه، وما أثبته تقرير الإدارة العامة للأدلة الجنائية.
أب يعترف بقتل نجله بعد تخطيط هادئ للجريمة
فقد اعترف المتهم بتحقيقات النيابة العامة أنه أثناء عمله كبائع خضار مستخدمًا دراجة نارية ثلاثية العجلات «تروسيكل»، فوجئ بقيام أحد الأهالي بإبلاغه بأن نجله المجني عليه خالد يثير المشاكل والفوضى داخل المنزل، فهرع إلى مسكنه مسرعًا، لعلمه المسبق باعتياد نجله تعاطي المواد المخدرة ودوام اعتدائه على والدته وشقيقته.
وأضاف المتهم أنه تمكن من تهدئة نجله، وأعد له كوبًا من الشاي دس بداخله أقراصًا مهدئة، وأسقاه إياه، ثم انتظر برهة من الوقت حتى تأكد من عدم اتزان نجله وفقده الوعي، وعلى إثر ذلك قام بالاتصال بأحد أصدقائه ويدعى متولي أحمد متولي، طالبًا منه دراجة نارية لاصطحابه هو ونجله.
وبالفعل، توجهوا إلى أحد الجراجات الكائنة بنهاية الشارع محل سكن المتهم، وقرر أمام عمال الجراج أنه يعتزم إيداع نجله بإحدى مصحات علاج الإدمان، وانتظر حتى غادر جميع العاملين المكان، ثم أخرج حبلًا أبيض اللون، وقام بتوثيق نجله بالحبال من يديه وقدميه.
وعقب ذلك، قام باصطحاب نجله إلى أحد المصارف المائية، وألقاه بداخله حيًا وهو موثق بالحبال، مما أدى إلى وفاته غرقًا، وذلك على النحو الوارد تفصيلًا بتقرير مصلحة الطب الشرعي.
وحيث شهد محمد سعيد عبد العاطي محمود بالتحقيقات بأنه حال وصوله إلى عمله أبصر تجمعًا من الأهالي أمام مصرف مائي (محل الواقعة)، وباستبيانه الأمر أبصر جثمان المجني عليه طافيًا على سطح مياه الصرف، وتظهر عليه علامات التعفن، ومكبل قدميه بحبل.
وحيث شهد شريف محمد حسن عثمان بالتحقيقات بما لا يخرج عن مضمون ما شهد به سابقًا.
وحيث شهدت داليا حماد أحمد عويس بالتحقيقات بقيام نجلها بالعديد من التصرفات غير المألوفة، فهاتفت زوجها الذي حضر لتهدئة المجني عليه، وأعد له كوبًا من الشاي وضع داخله أقراصًا مهدئة، فاحتساه المجني عليه، ثم غادرا المسكن سويًا، حتى عاد المتهم إلى المسكن بمفرده، وعقب ذلك علمت بقيامه بقتل المجني عليه بأن كبل يديه وقدميه وألقاه في أحد المصارف المائية.
وحيث شهد المقدم أحمد عكاشة بالتحقيقات بأن تحرياته دلته على قيام المتهم بقتل نجله المجني عليه، على إثر إتيان الأخير بالأفعال غير المألوفة لتعاطيه المخدرات، فاختمر في ذهنه فكرة الخلاص منه، ونسج لذلك مخططًا نفذه بوضع أقراص مهدئة للمجني عليه داخل كوب شاي احتساه الأخير، ثم اصطحبه إلى أحد المرائب، ووضعه داخل دراجة نارية، وكبل يديه وقدميه، واقتاده إلى مصرف مائي وألقاه حيًا حتى لفظ أنفاسه الأخيرة غرقًا، قاصدًا من ذلك قتله، وأضاف أنه بضبط المتهم ومواجهته أقر بالواقعة.
وحيث بإجراء المحاكاة التصويرية للمتهم أثناء استجوابه جاءت مطابقة لاعترافه على النحو السالف البيان.
وحيث ثبت بتقرير الصفة التشريحية الخاص بالمجني عليه خالد عبد الله صلاح أحمد أنه لا يوجد ما يمنع جواز حدوث الوفاة بإغراق المجني عليه، وفق التصوير الوارد بمذكرة النيابة العامة، وفي تاريخ معاصر لتاريخ الواقعة.
وحيث ثبت بتقرير الإدارة العامة للأدلة الجنائية تطابق الشكل العام للمنظور الأمامي بين صور أحد الأشخاص الظاهرين بمقاطع الفيديو، والذي يرتدي جلبابًا بيج اللون، ويلتف حول عنقه قطعة قماشية بيضاء اللون (قفطان)، ويمسك بيده رباطًا غليظ الحجم (حبل أبيض)، وبين صور المتهم، وكذلك بانطباق البصمات الوراثية للجثة مع شخص المجني عليه.
وحيث إنه بجلسة المحاكمة اعترف المتهم بما هو مسند إليه، والحاضر مع المتهم شرح ظروف الدعوى وملابساتها، وطلب البراءة تأسيسًا على عدم جدية التحريات وتناقضها وانتفاء نية إزهاق الروح.
وحيث تمسك الدفاع بانتفاء نية القتل لدى المتهم، وعاود طلب استعمال الرأفة، تأسيسًا على سلوك المجني عليه واعتياده تعاطي المواد المخدرة، وافتعاله سلوكيات عنيفة داخل المنزل وخارجه.
وحيث إن ما أثاره الدفاع بشأن عدم توافر نية القتل لدى المتهم مردود، ذلك أنه من المقرر قانونًا أن قصد القتل أمر خفي لا يُدرك بالحس الظاهر، وإنما يُستدل عليه من الظروف المحيطة بالدعوى، والأمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه، واستخلاص هذه النية موكول لمحكمة الموضوع متى كان استخلاصها سائغًا وله أصل ثابت بالأوراق.
ولما كان الثابت من أوراق الدعوى – على النحو السالف بيانه – أن المتهم قد اختمرت في ذهنه فكرة التخلص من نجله المجني عليه، والدليل على ذلك قيامه بدس عقاقير مهدئة في كوب شاي أعده له واحتساه المجني عليه، ثم قيامه باصطحابه إلى المصرف المائي بعد أن قيد يديه وقدميه بحبل، ودفعه إلى الماء في حالة يعلم معها تمام العلم أن ذلك الفعل ينهي فرصته في النجاة من الغرق، فإن ذلك كله يقطع بتوافر نية القتل العمد لدى المتهم على نحو جازم، ويدحض ما أثاره الدفاع في هذا الشأن.
وحيث إنه عن ظرف سبق الإصرار، وهو حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني وتُستخلص من ظروف الدعوى وعناصرها، فإنه ثابت ومتوافر في حق المتهم، وذلك من اعترافاته التفصيلية الصحيحة بتحقيقات النيابة العامة، إذ أقدم على ارتكاب جريمته وهو هادئ البال، بعيدًا عن ثورة الغضب، وبعد تفكير متأنٍ وهادئ، فقام بدس العقاقير المخدرة في كوب شاي احتساه المجني عليه، ثم تأكد من خلو المرآب من العاملين، وقام بتوثيق يدي وقدمي المجني عليه، ودفعه في مياه الصرف على نحو لا يستطيع معه الفكاك من الغرق، وهو ما يدل بيقين على توافر ظرف سبق الإصرار في حقه على النحو المعروف قانونًا، والذي دلت عليه ظروف وملابسات الواقعة وتصرفات المتهم.
وحيث إنه عن ما أثاره الدفاع بشأن عدم جدية التحريات وتناقضها، فمردود عليه، إذ لما كانت المحكمة تطمئن إلى التحريات التي أُجريت وترتاح إليها، لكونها تحريات صريحة وواضحة، ولها ما يساندها في الأوراق من اعترافات المتهم التفصيلية، وتقتنع بأنها أُجريت فعلًا بمعرفة محررها، فإن هذا الدفع يكون على غير سند صحيح من الواقع والقانون، ويتعين الالتفات عنه.
وحيث إنه لما تقدم، يكون قد ثبت يقينًا للمحكمة أن المتهم
عبد الله صلاح لأنه في يوم 13 / 10 / 2024 بدائرة مركز شرطة منشأة القناطر – محافظة الجيزة، قتل نجله المجني عليه خالد عمدًا مع سبق الإصرار، وذلك على إثر سوء سلوك المجني عليه، فبيت النية وعقد العزم على فكرة التخلص منه، ونسج لذلك مخططًا إجراميًا نفذه بأن دس له كوبًا من الشاي يحوي أقراصًا مهدئة، ثم اصطحبه إلى أحد المرائب، ووضعه على دراجته النارية الخاصة مكبل اليدين والقدمين باستخدام أداة "حبل" محل الاتهام التالي، واقتاده إلى مصرف مائي وألقاه فيه حيًا، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة غرقًا، وذلك على النحو الوارد بتقرير الصفة التشريحية، قاصدًا من ذلك قتله، على النحو المبين بالتحقيقات.
كما أنه أحرز أداة "حبل" مما تُستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون مسوغ أو مبرر من الضرورة المهنية أو الحرفية، وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.
مما يوجب – عملًا بالمادة 304/2 من قانون الإجراءات الجنائية – معاقبته بالمواد 230، 231 من قانون العقوبات، والمواد 394 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 المعدل، والبند رقم (7) من الجدول رقم (1) المرفق بالقانون المعدل رقم 175 لسنة 2007، مع إلزامه بالمصاريف الجنائية، عملًا بالمادة 313 من قانون الإجراءات الجنائية.
وحيث إن ما ارتكبه المتهم من جرائم كان نتيجة نشاط إجرامي واحد، الأمر الذي يتعين معه توقيع العقوبة الأشد، عملًا بالمادة 32 من قانون العقوبات.
وحيث إنه نظرًا لظروف الدعوى وملابساتها، فقد رأت المحكمة الأخذ المتهم بقسط من الرأفة، عملًا بالمادة 17 من قانون العقوبات.
فلهذه الأسباب
وبعد الاطلاع على المواد سالفة الذكر:
حكمت المحكمة:
حضورياً، بمعاقبة عبد الله صلاح أحمد عبد الله بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات عما أسند إليه، وبمصادرة الحبل المضبوط، وإلزامه بالمصاريف الجنائية.
- جريمة قتل
- قتل أب لنجله
- قتل عمد مع سبق الإصرار
- محكمة الجنايات
- جريمة أسرية
- العنف الأسري
- محافظة الجيزة
- حكم محكمة الجنايات
- حيثيات حكم الجنايات
- سبق الاصرار والترصد
- نية القتل
- تحقيقات النيابة العامة
- المحاكاة التصويرية
- تقرير الطب الشرعي
- الأدلة الجنائية
- قانون العقوبات المصري
- جريمة داخل الأسرة
- مأساة أسرية
- أب يقتل ابنه
- ضحية عنف أسري
- جرائم الآباء
- انهيار الروابط الأسرية
- الجريمة داخل المنزل
- القصة الكاملة للجريمة
- تفاصيل الجريمة
- واقعة هزت الرأي العام
- السجن المشدد لأب قتل نجله
- تفاصيل حكم قتل أب لنجله بالجيزة
- جريمة قتل أب لنجله في منشأة القناطر
- حيثيات إدانة أب بقتل نجله
- جريمة عنف أسري بمحافظة الجيزة
- محكمة الجنايات تصدر حكم ا في جريمة قتل أب لنجله