ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

العراق على مفترق طرق سياسي جديد

ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة يعيد رسم مشهد السلطة في بغداد

خلف الحدث

في خطوة سياسية وُصفت بأنها من الأكثر تأثيرًا منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، عاد اسم نوري كامل المالكي إلى صدارة المشهد العراقي، بعد إعلان تحالف «الإطار التنسيقي» ترشيحه رسميًا لمنصب رئيس مجلس الوزراء، في توقيت بالغ الحساسية داخليًا وإقليميًا، يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بملف تشكيل السلطة التنفيذية في بغداد.

الترشيح لا يقتصر على كونه إجراءً دستوريًا تقليديًا، بل يمثل عودة أحد أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في العراق بعد 2003، إلى واجهة القرار، وسط انقسام سياسي حاد، وترقب دولي لمسار الحكومة المقبلة وقدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.

تفاصيل ترشيح المالكي ومسار القرار داخل الإطار التنسيقي

أعلن تحالف «الإطار التنسيقي»، الذي يضم القوى الشيعية الأكبر في البرلمان العراقي، السبت 24 يناير 2026، ترشيح نوري المالكي ليكون مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر لتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك عقب اجتماع موسّع لقادة التحالف، أعقب أسابيع من المشاورات المكثفة بشأن المرحلة المقبلة.

وبحسب بيانات صادرة عن التحالف، جاء اختيار المالكي بأغلبية أصوات مكونات الإطار، استنادًا إلى ما وُصف بـ«خبرته السياسية والإدارية الطويلة، وقدرته على إدارة الملفات المعقدة للدولة»، في ظل تحديات داخلية متراكمة تتعلق بالاقتصاد، والأمن، والعلاقات الإقليمية.

وأكد الإطار التنسيقي التزامه الكامل بالمسار الدستوري، داعيًا مجلس النواب إلى الإسراع في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، باعتبارها الخطوة المفصلية التي تسبق تكليف مرشح رئاسة الوزراء رسميًا بتشكيل الحكومة.

نوري المالكي: عودة سياسية بعد أكثر من عقد

يُعد نوري المالكي واحدًا من أبرز الوجوه السياسية في العراق خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث تولّى رئاسة الوزراء لدورتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ البلاد الحديث.

وخلال سنوات حكمه، واجه المالكي ملفات أمنية شديدة التعقيد، وصراعات سياسية داخلية، قبل أن يغادر منصبه عقب أحداث 2014، ليتولى لاحقًا مناصب سياسية، من بينها نائب رئيس الجمهورية، فضلًا عن قيادته لحزب الدعوة الإسلامية.

وترشيحه الحالي يعكس، وفق مراقبين، رغبة القوى الشيعية الرئيسية في إعادة تدوير الخبرة السياسية في مرحلة دقيقة، تتطلب شخصية قادرة على إدارة التوازنات الداخلية والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.

ترحيب وتحفظ: ردود فعل عراقية متباينة

أثار ترشيح المالكي ردود فعل متباينة داخل الساحة السياسية العراقية؛
إذ رحبت بعض القوى السياسية بالخطوة، معتبرة أن المالكي يمتلك خبرة طويلة في إدارة مؤسسات الدولة، وقدرة على ضبط إيقاع العمل الحكومي في ظل واقع سياسي معقد.

في المقابل، أبدت قوى سنّية وشخصيات سياسية عراقية تحفظها على عودته، مستحضرة تجارب سابقة خلال فترة حكمه، وما ارتبط بها من أزمات سياسية وأمنية، محذّرة من أن إعادة إنتاج الوجوه القديمة قد تعمّق حالة الانقسام بدلًا من تجاوزها.

مواقف إقليمية ومراقبة دولية حذرة

على الصعيد الإقليمي، تلقّى المالكي تهاني رسمية من قيادات سياسية، من بينها رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، الذي أعرب عن أمله في أن تسهم الحكومة المقبلة في تعزيز الاستقرار السياسي وتحقيق تطلعات العراقيين.

دوليًا، تتابع الولايات المتحدة والدول الغربية تطورات المشهد السياسي العراقي عن كثب، وسط تأكيدات رسمية على دعم المسار الدستوري، مع تشديد على أهمية تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية، وضمان الاستقرار الأمني، والحفاظ على توازن العلاقات الإقليمية.

وأكدت الخارجية الأمريكية استمرار التواصل مع بغداد، في إطار دعم العملية السياسية وتشكيل حكومة تمثل مختلف المكونات العراقية.

الاستحقاقات الدستورية والسيناريوهات المقبلة

وفق الدستور العراقي، يمر تشكيل الحكومة بعدة مراحل حاسمة، تبدأ بانتخاب رئيس الجمهورية داخل البرلمان، يعقبه تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة زمنية محددة.

ومن المتوقع أن يخوض المالكي، في حال تكليفه رسميًا، مفاوضات شاقة مع الكتل السياسية المختلفة، خاصة القوى الكردية والسنية، بشأن توزيع الحقائب الوزارية، والبرنامج الحكومي، وضمان التوافق السياسي، وهو ما يُعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي العراقي على تجاوز حالة الاستقطاب المزمنة.

خلاصة المشهد

يمثل ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية محطة سياسية مفصلية تعكس حجم التعقيدات التي يعيشها العراق في مرحلة ما بعد الانتخابات، بين الرغبة في الاستقرار، والجدل حول إعادة تدوير النخب السياسية، في وقت تتزايد فيه التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية.

ويبقى نجاح هذا الترشيح مرهونًا بقدرة القوى السياسية على التوافق، وبما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة في رسم شكل الحكومة الجديدة، ومسار العراق السياسي في المرحلة القادمة.

تم نسخ الرابط