ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مرافعة تاريخية لوكيل نيابة أكتوبر أمام جنايات الجيزة في قضية قتل أم وأطفالها الثلاثة

جنايات الجيزة
جنايات الجيزة

شهدت محكمة جنايات الجيزة، المنعقدة برئاسة المستشار حسين مسلم، واحدة من أقوى وأشد المرافعات تأثيرًا، ألقاها محمد هشام رشاد وكيل نيابة أكتوبر، في قضية مقتل سيدة وأطفالها الثلاثة، والمتهم فيها أحمد محمد عبد الغني عبد الفتاح، والتي هزت الرأي العام لبشاعة تفاصيلها وتعدد جرائمها.

 مقدمة المرافعة 

استهل وكيل النيابة مرافعته بنداء هز أركان القاعة، قائلًا: «بسم الله المنتقم الجبار… بسم الله القوي القهار… بسم الله الحكم العدل… الذي حرّم الدماء… وجعل العرض سورًا، والنفس أمانة… فمن خان الأمانة هدم السور، واستباح الدماء…» واستشهد بحديث النبي ﷺ: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم»، مؤكدًا أن هذا الحديث الشريف يضع الدم في موضعه الصحيح، ويقرر أن القتل زلزلة للوجود، واعتداء على حدود الله، وتحدٍّ لخالق الروح والحياة. 

وأضاف أن من استهان بحرمة الدماء فقد انتهك حدود رب السماء. توصيف الجريمة قال وكيل النيابة مخاطبًا هيئة المحكمة: «قضيتنا اليوم… قضية قتل وزنا… استغلال الطيش والهوى… فالمتهم لضحيته غوى… انخرط في الحرام… وعن الحرام ما انزوى…» وأوضح أن المتهم قتل أمًا طائشة لستر سوءته، وأزهق أرواح أطفالها الثلاثة ليهرب من فعلته، واصفًا ما حدث بأنه: «ظلم… بظلم… بظلم… اعتداء على العرض… وقتل للنفس… وتقتيل للأنفس…» .

وأكد أن من يقتل نفسًا يبلغ ذروة الإثم، أما من يقتل أربعًا فقد جاوز كل حد، مشيرًا إلى أن الأرواح الأربع سقطت تباعًا، بيد واحدة، وقصد واحد، وإصرار لا يعرف التراجع، دون خشية من الله أو رهبة من حساب.

 وأضاف أن آثام المتهم لو قُسمت على الجبال لتصدعت، ولو عُرضت على القلوب لانخلعت، إلا أن قلب المتهم طمسه الظلم، فلم يعرف للدم حرمة، ولا للطفل رحمة، ولا للأم شفقة. شخصية المتهم وتناول وكيل النيابة شخصية المتهم، قائلًا إنه كان طالبًا بإحدى الجامعات المرموقة، يعمل لاستكمال دراسته، ثم صار زوجًا يعف نفسه بالحلال، وتاجرًا يربح من تجارته، وكان من المفترض أن يكون حاميًا للأعراض والنفوس. إلا أنه، وعلى النقيض، استأجر الساقطات، ثم غوى إحدى المحصنات، ولما هددته بالفضيحة، ارتكب القتل مرات ومرات. واقعات الدعوى أسرة مصرية بسيطة قال وكيل النيابة إن وقائع الدعوى بدأت من بيت مصري بسيط، أسرة مستقرة، أب يعمل حارسًا بمخازن أحد الأسواق، وأم تخدم في البيوت وتربي الطيور الداجنة للمساعدة في الإنفاق. زوجان كادحان، يعيشان على الفطرة السوية، رزقا بثلاثة أبناء: • سيف الدين (13 عامًا) • جنى (11 عامًا) • مصطفى (6 أعوام) أطفال لا يعرفون من الدنيا سوى دفء بيتهم وحنان أبويهم. 

بداية التعارف

 وأوضح أن أول لقاء بين المتهم والمجني عليها كان قبل الواقعة بنحو ثلاثة أشهر، داخل محل المتهم لبيع الطيور والأدوية البيطرية، حيث كانت المجني عليها تتردد عليه لشراء الطيور، برفقة طفليها سيف وجنى. ومع ضيق الحال، عرضت عليه بيع طيور تربيها، فرفض الشراء، وعرض المساعدة، وبدأ التواصل بينهما. استغلال الحاجة وفي سبتمبر 2025، استغل المتهم حاجة المجني عليها، وتوغل في حياتها، وعلم بما بينها وبين زوجها من فتور وضيق مادي، فرأى فيها فريسة سهلة، وتسلل إلى قلبها ببطء، هادئًا في ظاهره، خبيثًا في باطنه، حتى أضرم نار الفتنة، وهدم استقرار الأسرة.

 وهجرت الزوجة بيتها، واستضافها المتهم مع أطفالها بشقة استأجرها بشارع الملك فيصل، حيث عاشا كزوجين، ونال منها، وخان ثقة الأطفال الذين أحبوه. وعود كاذبة وأشار وكيل النيابة إلى أن المجني عليها قررت تصحيح الأوضاع، واتفقت مع المتهم على خلع زوجها والزواج منه، وهو ما شجعه المتهم بإرسال رسائل للزوج وتهديده، حتى عادت الزوجة ثم غادرت مجددًا إلى الشقة. 

وأكد أن المتهم أوهمها بالزواج وتأمين مسكن كريم لها ولأطفالها، إلا أنه تنصل من وعوده عندما طالبته بسداد جزء من ديونها. قرار القتل هنا، دب الخوف في نفس المتهم، خشية افتضاح أمره، ففكر ودبر وقرر إنهاء حياتها لوأد الفضيحة. 

وأجرى المتهم أبحاثًا عبر شبكة الإنترنت عن كيفية القتل بالسم، مستغلًا عمله في بيع المبيدات، فحصل على: • مبيد حشري شديد السمية «كفروبيد إكسترا» • «حبوب الغلة» • عقار «كيوتابيكس» وقام بشراء عصير وأكواب بلاستيكية، وخلط المبيد مع نصف قرص من حبوب الغلة وثلاثة أقراص من كيوتابيكس، وأذاب الخليط في العصير، وقدمه للمجني عليها. ثم دعاها للخروج، وانطلق معها إلى موعد، وصفه وكيل النيابة بأنه: «موعدها مع الموت… وموعده مع التجرد من الإنسانية مشهد موت الأم داخل المستشفى السيد الرئيس … الهيئة الموقرة دعا المتهم المجني عليها إلى الخروج في نزهة، متصنِّعًا الشفقة والرغبة في ترويحها، لا حبًا ولا وِصالًا، بل مكرًا وخداعًا، ما كان قصده إلا أن يراها تتلوّى أمامه من شدة الألم، وأن يكون قريبًا من إحدى المستشفيات ليدفع عن نفسه الشبهة. وبالفعل، وأثناء تجول المجني عليها معه، باغتها مغص شديد، وانقبضت بطنها، وتلوّت من شدة الألم، وبدأت تفقد وعيها رويدًا رويدًا، فساندها المتهم مصطنعًا الشفقة، لا رحمةً بها، ولكن خوفًا من افتضاح أمره. ساندها حتى بلغ بها مستشفى قصر العيني، وأثبت اسمًا مغايرًا لاسمه بدفاتر المستشفى، ثم وقف بعيدًا يترقب، يراقب أنفاس المجني عليها من خلف الجدران، منتظرًا الخبر الذي يطمئنه على تمام جريمته. علا صوت الممرضة: «الحالة ماتت» حينها فقط هدأت نفسه، وسكنت جوارحه، وشعر بالراحة تتسلل إلى صدره، بعد أن تأكد من أن «زيزي» لفظت أنفاسها الأخيرة، فقد أيقن أن موتها… موت لفضيحته. انصرف المتهم بينما يبحث العاملون بالمستشفى عمّن أدخلها وتركها، انصرف دون أن يلتفت، مبتهجًا بالوفاة، دون ذرة ندم، تاركًا إنسانيته لتُدفن مع المجني عليها. قرار قتل الأطفال سيادة الرئيس … الهيئة الموقرة ليخفي فضيحة الزنا… قتل شريكته، فهل طويت صفحة الجُرم بموت المجني عليها؟ هل بلغ المتهم غايته بإسكات صوتها إلى الأبد؟ ما بالكم بمن قتل ليخفي الزنا؟! ماذا سيفعل ليخفي القتل؟! أكد وكيل النيابة أن وفاة الأم لم تكن سوى الفصل الأول من مخطط أشد ظلمًا وظلامًا، إذ ما إن خرج المتهم من المستشفى واطمأن لوفاتها، حتى اشتعلت في رأسه نار جديدة: «وأدتُ فضيحة الزنا… فمن يؤد فضيحة القتل؟! الأطفال… سيفضحونني… سأكتم أصواتهم كما كتمت صوت أمهم». وعزم المتهم على قتل الأطفال الثلاثة، واحدًا تلو الآخر، ليُخرس آخر صوت قد يشير إليه. إعادة إعداد السم عاد المتهم ليكرر الجريمة بذات الدم البارد، أعاد إعداد الخلطة نفسها: مبيد حشري قاتل، أقراص الغلة السامة، وعقار كيوتاباكس. ثلاث ليالٍ كاملة لم يذق فيها النوم، لا خوفًا من الله، بل إمعانًا في التدبير، حتى غدا ضليعًا في حساب جرعات الموت، فكما قتل الأم بنصف قرص، جلس يوزع الموت على أطفالها: نصف قرص لكل طفل. نزهة الموت اصطحب الأطفال في نزهة إلى حديقة بناحية المنصورية، رأوا فيه أبًا حنونًا، بينما كان يوقن أنهم أعداء سيفضحونه. سقاهم العصير المسموم، فسرى السم في جسدَي «جنى» و«سيف الدين»، وظهرت عليهما أعراض التسمم، بينما تردد «مصطفى» ورفض شرب العصير إلا رشفة صغيرة، فلم يسْرِ السم في جسده بالقدر الكافي. قتل «مصطفى» عزم المتهم على الإجهاز على الطفل «مصطفى» بوسيلة أشد فتكًا وبشاعة، اصطحبه إلى جوار مصرف مائي معتم، مستغلًا هدوء المكان وغياب المراقبة. باغت الطفل الصغير، وألقاه في مياه المصرف، صرخ مصطفى… صرخة كتمها الماء. تيقن المتهم من وفاته، وعاد ليكمل بقية الجريمة. خنق «سيف الدين» عاد المتهم إلى «سيف الدين» الذي كان يتلوى من أثر السم، لم يمهله حتى يلفظ أنفاسه، بل جثم فوقه، وأطبق على فمه وأنفه، وضغط على عنقه الصغير حتى سكن الجسد، وفاضت روحه البريئة. ووصف وكيل النيابة المشهد بكلمات هزت القاعة، متخيلًا نظرة الطفل الأخيرة للسماء، منتظرًا رحمة لم يجدها على الأرض. وفاة «جنى» بقيت «جنى» وحدها، تتلوى من التسمم، حتى استعان المتهم بآخر ونقل الطفليْن إلى منطقة «ستاشر عمرة»، وألقاهما بمدخل عقار. ظلت «جنى» تحتضر بجوار جثمان شقيقها «سيف الدين»، حتى نزل أحد السكان، الشاهد إسلام عماد الدين إسلام، ليجد المشهد المفجع. تمتمت الطفلة بكلماتها الأخيرة: «أنا جنى بنت حمادة من المنشية» ثم لفظت أنفاسها الأخيرة، لتلحق بشقيقيها. كشف الجريمة السيد الرئيس … 

الهيئة الموقرة كُشفت الجريمة، ودُفنت الجثامين، وضُبط المتهم، وضُبط هاتف المجني عليها، وضُبط شريط العقار السام، فسقنا المتهم إليكم اليوم مكبلًا بالأغلال، نطوق عنقه بالأدلة الدامغة فصل الدليل «نطوّق عنقه بالأدلة الدامغة» السيد الرئيس … الهيئة الموقرة ارتكب المتهم جناية قتل المجني عليها زيزي مصطفى طه عبد الجواد عمدًا بالسم، وقد تقدمت واقترنت بتلك الجناية جنايات قتل أطفالها الثلاثة عمدًا مع سبق الإصرار، وبذات الطريقة، كما اشترك مع موظف عام حسن النية في ارتكاب تزوير في دفتر استقبال مستشفى قصر العيني. وتتقدم النيابة العامة أمام عدالتكم بأدلة إثباتٍ جاءت مترابطةً، متساندةً، متماسكةً على نحوٍ يقينيٍّ جازم، لا يترك في النفس ريبًا أو شكًا، ويقطع دابر كل احتمال، ويؤكد بما لا يدع مجالًا للتأويل أن المتهم هو مرتكب تلك الجنايات. 

ولأن من سنن الله في خلقه أن يجعل لكل فعلٍ شاهدًا، فقد شاء سبحانه أن تتحول كل خطوة خطاها المتهم، وكل لقاءٍ سبق الجريمة أو تلاها، إلى شاهدٍ عليه. أولًا: الدليل على قتل المجني عليها الأم سيدي الرئيس نبدأ التدليل على جريمة قتل المجني عليها الأم، باستعراض ركن الجريمة المادي، ثم ركنها المعنوي، ثم ظروفها المشددة للعقاب. وقوع النتيجة ثبت بمناظرة النيابة العامة وفاة المجني عليها، وهي النتيجة التي قطع خبراء مصلحة الطب الشرعي أنها تعزى إلى التسمم الحاد الناتج عن تناول مادة سامة «مبيد حشري» و«سم الفأر – فوسفيد الزنك»، والذي أدى إلى فشل حاد في الدورتين الدموية والتنفسية انتهى بوفاتها. كيفية حدوث التسمم جاء إقرار المتهم صريحًا قاطعًا بأنه من دسَّ السم لها في العصير، بل وصنع خليط السم بنفسه، حيث قرر باستجوابه: «عملت الخلطة اللي هي مبيد حشري وحطيت نص قرص غلة دوبته في ثلاثة أقراص منوم ودوبتهم في العصير وحطيته في كوباية بلاستيك وشربت العصير أنا وزيزي». 

وأوضح المتهم أنه شرب كوبًا خاليًا من السم حتى لا يثير شكوكها، وأبان أن العقار المستخدم هو كوتبايكس. وقد تطابقت أقواله مع كافة أدلة التحقيقات، من شهادة بائع العصير، وشهادة بائع الأكواب، إلى تقرير الطب الشرعي الذي أثبت وجود مبيدات حشرية وعقار كوتبايكس في عينات المجني عليها. ومن ثم، يكون المتهم قد أتى ركن الجريمة المادي بإعطائها السم. القصد الجنائي هل كان المتهم قاصدًا إزهاق روحها؟ قولًا واحدًا: نعم. ودليلنا على ذلك إقرار المتهم نفسه حين سُئل عن سبب عدم مبادرته بعرض المجني عليها على المستشفى لتلقي العلاج، فأجاب نصًا: «علشان أنا كنت عايزها تموت». وقد ماتت. 

واكتمل بذلك ركنا الجريمة المادي والمعنوي. الظروف المشددة: سبق الإصرار واستخدام السم سبق الإصرار ثابت ثبوتًا يقينيًا، ويتجلى في بحث المتهم عبر شبكة المعلومات الدولية – من هاتف المجني عليها – قبل الواقعة، عن عبارات منها: • «اسم المادة المسممة المخدرة التي لا تظهر بالتحاليل» • «اسم المادة المسممة التي تسبب هلوسة» بحثٌ سابقٌ على التنفيذ، أقر به المتهم، يكشف عن تفكير هادئ، وتدبير مستقر، وإعدادٍ مسبق. ولعل في إجابة المتهم عند سؤاله عن الندم ما يقطع بتوافر سبق الإصرار، إذ قال صراحة: «لأ، علشان أنا كنت مخطط لكدا أصلًا». عبارة قاطعة… قاطعة بسبق الإصرار، مانعة لأي منازعة فيه.

 ثانيًا: قتل الأطفال الثلاثة سيدي الرئيس … حضرات السادة المستشارين ننتقل إلى فصلٍ أشد فظاعةً وأعظم جرمًا… قتل الأطفال الأبرياء الثلاثة. ذات الفعل… وذات الأداة… قتل بالسم… عن سبق إصرار. قتل الطفلة «جنى» اعترف المتهم بإعطائها السم، وأيد تقرير الطب الشرعي ذلك، إذ أثبت أن وفاتها تعزى إلى التسمم الحاد بالمبيد الحشري. قتل الطفل «مصطفى» لم يكتف المتهم بالسم، بل ألقى بالطفل في مصرف مائي، وقال في إقراره: «رميته وهو اتدحرج على الأسمنت اللي على حافة المصرف ووقع في المياه». 

وأكد تقرير الطب الشرعي أن وفاة مصطفى تعزى إلى إسفكسيا الغرق، مصحوبة بتناول مادة سامة قبل الوفاة. قتل الطفل «سيف الدين» أما سيف الدين، فقد استعجل المتهم وفاته، وأقر قائلًا: «حطيت إيد على مناخيره وبوقه، وإيد تانية ضغطت بيها على الرقبة لغاية ما قطع نفس خالص». وقطع الطب الشرعي بأن وفاته تعزى إلى التسمم الحاد بالمبيد الحشري مصحوبًا بإسفكسيا كتم النفس والخنق. 

القصد الجنائي وسبق الإصرار في قتل الأطفال

 لم نحتج إلى استنباط أو ظن، فقد أعلن المتهم قصده صراحة حين قال: «فقلت خلاص… لازم أخلص منهم زي ما خلصت من أمهم». وأضاف باعثه الإجرامي: «عشان سيف وجنى كانوا عارفين المحل اللي ببيع فيه الحاجات البيطرية، وخوفت يقولوا إن أمهم اختفت». قول جازم، يكشف عن عزمٍ وقصدٍ ثابت، لا لبس فيه. خاتمة الدليل سيدي الرئيس … حضرات السادة المستشارين ظلم المتهم في كل شيء… ظلم حين انتهك العرض، وظلم حين خان العهد، وظلم حين قتل النفس، وظلم حين اغتال براءة الأطفال… وعدل في شيء واحد فقط: حسبة السم. «نفس الحسبة… عشان تلاتة، فكل واحد فيهم نص قرص». أي عقل هذا؟ وأي قلب يخطط لقتل ثلاثة أطفال بهذه البرودة؟ إنها خطة مدبرة، وجرأة مستقرة، وعقل واعٍ، يعرف كيف يُبيد أسرة كاملة، بنفس الوسيلة، وبذات الإصرار. 

الأدلة الفنية والتسجيلات 

وقد تتبعت النيابة العامة مسار المتهم منذ بدء مخططه وحتى ضبطه، وجاءت التسجيلات المرئية لتوثق خطواته: • مشاهد نزول المجني عليها والمتهم من الشقة المستأجرة يوم 21 أكتوبر. • مشاهد يوم 25 أكتوبر تظهر الأطفال بصحبته. • مشاهد بجوار المصرف المائي دون الطفل مصطفى. • مشاهد حمل جثمان سيف الدين وجسد الطفلة جنى. • مشاهد إلقائهما بمدخل العقار ثم مغادرته المكان سيدي الرئيس… حضرات السادة المستشارين إنما نورد تلك المشاهد لنؤكد على صدق إقرار المتهم، وإن كذبت وعوده وأفعاله. 

فقد تطابق إقراره مع كل أدلة الدعوى، لترسم صورة واضحة للحقيقة. فإذا ما انتهينا من إثبات جرائم القتل التي اقترنت زمنيًا، اسمحوا لنا أن نعرّج إلى التدليل على جريمة التزوير. وهنا نبدأ بركن الجريمة المادي، وفعله: إثباتٌ من موظف مختص، جعل واقعة مزوّرة في صورة واقعة صحيحة. وهو ما أثبته الشاهد العاشر، موظف استقبال مستشفى قصر العيني، بحسن نية، من بياناتٍ لمدخل المجني عليها إلى المستشفى. فقد أثبت واقعة إدخالها المستشفى من قبل «علي محمد علي خليفة»، مدوِّنًا رقمه القومي، على الرغم من أن من أدخلها هو المتهم، وذلك في دفتر استقبال المستشفى الرسمي. فقد ساعده المتهم بالواقعة غير الصحيحة لإثباتها بالدفتر، فدوّنها الموظف بحسن نية، وفي عجلة من أمره، كعادة المستشفيات لإنقاذ الأرواح. 

فصورة اشتراك المتهم هنا هي المساعدة، بإمداده بالاسم والرقم القومي غير الصحيحين. وأما عن الركن المعنوي، فقد أقر المتهم بقصده التزوير للإفلات من المساءلة. ونورد دليلاً آخر على واقعة التزوير تلك، وهو ما ثبت من تصفح النيابة العامة لهاتف المتهم، من وجود البيانات المثبتة بالدفتر في صورة عليه، ومن مشاهدة النيابة العامة لمشهد مصوّر من داخل مستشفى قصر العيني، يظهر دلوف سيارة أجرة «تاكسي»، ويترجّل منها المتهم والمجني عليها/ زيزي مصطفى. 

حيث دلفا إلى داخل المستشفى وتوجها إلى مكتب الاستقبال، فقام الأخير بتدوين ما بها، ثم اصطحب طاقم التمريض بالمشفى المجني عليها إلى داخل ممرات المستشفى، وخرج المتهم منفردًا منها. تلك الورقة… سيادة الرئيس… حضرات السادة أعضاء الهيئة الموقرة تلك هي أدلتنا… لا تحتمل تأويلاً، ولا تخريجًا، ولا تقصر عن تغطية وصف الاتهامات المسندة للمتهم. فلتسمح لنا عدالة المحكمة أن نؤكد للمتهم في هذا المقام: أن من حقه إنكار الواقعة دفاعًا عن نفسه، ومن حقه أن يحبك ما يشاء من الروايات، يظن فيها أنه مُخرج نفسه من العقاب… هذا حقٌّ لا ننكره عليه. ولكننا نؤكد أيضًا أن محاولته البائسة لتضليل العدالة محاولةٌ خائبة، ولن تحقق مسعاه، فحقيقة أفعاله واضحة. وفي إنكاره أظهر ظلمًا وجرمًا وبهتانًا، فظل يستنير طريقه من خُطا الشيطان، حتى بات رفيق دربه. ومن تلك الخُطا والوساوس ما قد يعجبنا له قليلًا؛ حينما أنكر الجرائم أمام عدالتكم الموقرة، لم يكتفِ بإنكار الجريمة، بل تمادى في ظلمه. فعمد في جلسة المحاكمة السابقة إلى الزج بغيره، محاولًا أن يخفف عن نفسه وطأة الإثم، وأن يتقاسم دماءً سالت بغير حق، وسعى سعيًا حثيثًا إلى تحميل غيره وِزرَ دماءٍ لن يمر دون رد. ونرد على زيفه بسيف الحقائق الثابتة، لنفضح المكابرة التي يختبئ وراءها، ونعلن أمام الجميع أن الدماء لا تُمحى بالكذب. 

وقد كشفت التحقيقات زيفه وكذبه، إذ ثبت يقينًا أن دور العامل لم يجاوز حد المعاونة اللاحقة على الجريمة، متمثلة في نقل جثة المجني عليه/ سيف الدين، وجسد المجني عليها/ جنى، إلى مدخل العقار المعثور عليهما فيه. وقد اقتصر فعله عند هذا الحد، دون أن تمتد يده إلى إزهاق روح، أو ينعقد قصده على قتل نفس. الأمر الذي حدا بالنيابة العامة إلى تقديم عامله إلى المحكمة الجنائية المختصة لما نُسب إليه من اتهام، وذلك لعدم الارتباط بين هاتين الواقعتين. سيدي الرئيس وحتى هذه اللحظة، يقف المتهم أمام عدالتكم منكرًا لأفعاله، لا مقرًّا بذنبه، ولا معترفًا بجرمه، وكأن الإقرار ثقيلٌ على لسانه، وكأن التوبة غريبة عن قلبه. من لم يُقرّ بفعله لم يندم عليه، ومن لم يندم لم يتب، ومن لم يتب ظل قلبه موصدًا، لا يعرف للذنب انكسارًا، ولا للدماء خشوعًا.

 إنه إنكار يُضاف إلى القتل، وظلم يُلحق بالجريمة، ويكشف أن المتهم لم يكتفِ بسفك الدم، بل أصرّ على جحود الحق، ومواجهة العدالة بوجهٍ خالٍ من الندم الخاتمة سيادة الرئيس… حضرات السادة أعضاء الهيئة الموقرة إنا جئناكم اليوم بواقعةٍ قُتل فيها الناسُ جميعًا… نموذجٌ صارخٌ لمن خالف حدودَ الله، لمن تجرأ عليها. نقف اليوم أمام فصلٍ أسودَ دامٍ من فصول الخيانة والغدر، أمام مأساةٍ هزّت الضمير الإنساني، وزلزلت وجدان المجتمع المصري بأسره. جريمةٌ ظن المتهم أنها خفيّةٌ في ركنٍ مظلم، لكنها انتشرت وذاع صيتها في كل بيت، تناقلتها الألسن في الطرقات، وهال الناسُ فظاعتَها، وخرجت إلى الجميع كاللهب الذي يقضي على الأخضر واليابس. زعزعت الجريمة كل بيت، وهزّت كيان كل أسرة، لِما حملته من خيانةٍ ودماء، واغتيالٍ للبراءة. والحق أنها مأساةٌ لم تشهد لها الإنسانية مثيلًا، أفعالٌ آثمة خرجت من رحم الغدر، وتغذّت على الخيانة، وسُقيت بدم البراءة المسفوكة. دبّر المتهم واحتال، خطّط وسمّم، لم تُرتكب آثامه على عجل، ولا في ساعة غضبٍ طائش، بل كانت خطةً مدبّرة، نسجها فكرٌ مريض، وقلبٌ قاسٍ. اتخذ من الرذيلة طريقًا، ومن الخديعة وسيلة، ومن القتل غايةً لستر الخطيئة. سيدي الرئيس…

حضرات السادة المستشارين لسنا ممثلين عن أسرةٍ مكلومةٍ فحسب، بل عن مجتمعٍ بأسره فُتَّ في عضده داءٌ عضال، لِما أصابه من الفزع والترقّب من تلك الواقعة، بل وقائعُ جللٍ عِظام. فزعٌ على النساء والأبناء، وترقّبٌ من خطرٍ محدقٍ قد ينال البقية ويعصف بهم. نقف أمام عدلكم اليوم لا لنروي مأساةً فحسب، بل لنؤدي أمانتنا عن هذا المجتمع، فقد ذاق مرارة هذه الأفعال البشعة، ذاقها كل قلبٍ مصريّ، وآلمه ظلم الأبرياء، أفعالٌ اعتصرت لها القلوب. سيدي الرئيس… حضرات السادة المستشارين السلام على من اتقى واستحى، وراعى حرمةَ العِرض. إن للعرض حِمى لا تُنتهك، وحرمةً لا تُمس، الأمانة سترٌ لا يُشق، والشرف بيتٌ لا يُهد.

 إن مجد الأمم بطهارة النساء، يبنين العقول، وينشئن الأبناء، وما حدث كانت شرارته الإغواء، فكان من بعده الجُرم، ثم الفناء. إن واقعتنا تدق ناقوس الخطر، وتذكرنا أن وحدة المجتمع هي الأسرة، ولا يقوم مجتمع بغيرها، فإن صلحت الأسر صلحت المجتمعات، وإن فسدت، فإن السقوط آتٍ… آت. تمسّكوا بالأخلاق، احموا أسركم، ارعوا أبناءكم، امنحوهم من وقتكم، اغرسوا الخير في قلوبهم، واعلموا أن الخير باقٍ إلى يوم الدين. سيدي الرئيس… من ساحتكم المقدسة أقف لأصدح بالحق، مطالبًا بالقصاص العادل. 

 

نقف اليوم نطالب بحق أطفالٍ وُئدت براءتهم، وحق أمّهم، وإن كانت قد ضلّت الطريق، نطالب بحق مجتمعٍ أصابه الرعب والخوف. ما أظلم أن تُزهق أرواح الأبرياء، وما أقسى أن يُغدر بالأطفال الآمنين. سيدي الرئيس أعلنوا أن لكل جرمٍ حسابًا، طهّروا المجتمع بالعقاب، طهّروا المتهم بإعدامه، ليعلم القاصي والداني أنه لا مجرم يُفلت من العقاب، ولا دم يُزهق ظلمًا إلا ويكشفه رب العباد.

 أطالبكم بالعدل الذي تهفو إليه القلوب، وبالقصاص الذي يشفي صدور قومٍ مؤمنين. سيادة الرئيس… حضرات السادة أعضاء الهيئة الموقرة فليجعلِ اللهُ أقلامكم رماحًا في قلوب الخارجين على الحق، وجعل اللهُ أحكامكم هدايةً للحائرين، وردعًا للمفسدين، فهو نعم المولى ونعم النصير. ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾

تم نسخ الرابط