«من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونًا».. رسالة معرض الكتاب إلى أجيال الشاشة
"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونًا".. عبارة قصيرة، لكنها تحمل دلالات عميقة، تصدرت دعوات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، لتتحول من مجرد شعار دعائي إلى رسالة ثقافية وإنسانية تعكس فلسفة المعرض ورؤيته لدور القراءة في بناء الإنسان والمجتمع.
الشعار، الذي لاقى تفاعلًا واسعًا بين زوار المعرض ورواده، يلخص حالة الصراع المعاصر بين الكتاب والشاشة، وبين المعرفة العميقة والمحتوى السريع، في زمن باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تفرض إيقاعًا متسارعًا على تفاصيل الحياة اليومية، مهددة مكانة القراءة في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.
ويعكس اختيار هذا الشعار إدراكًا متزايدًا بخطورة تراجع معدلات القراءة، لا سيما بين الأجيال الشابة، في مقابل تصاعد الاعتماد على الشاشات الرقمية، وهو ما دفع معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى توجيه رسالة مباشرة مفادها أن التوقف عن القراءة، ولو لساعات قليلة، يعني التخلف المعرفي والحضاري عن ركب التقدم الإنساني.
وفي هذا السياق، لا يكتفي المعرض بعرض الكتب، بل يقدم برنامجًا ثقافيًا وفنيًا متكاملًا، يشمل ندوات فكرية، وورش عمل، ولقاءات مع كبار الكتاب والمفكرين، إلى جانب فعاليات مخصصة للأطفال والناشئة، في محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفعل القراءة كعادة يومية وأسلوب حياة.
ويترجم المعرض هذا الشعار على أرض الواقع من خلال تنوع أجنحته الثقافية، وفي مقدمتها قاعة الأطفال، التي تقدم أنشطة تفاعلية تهدف إلى غرس حب القراءة منذ الصغر، فضلًا عن أجنحة الدول المشاركة التي تفتح أمام الزائر نافذة على ثقافات العالم، في تجربة يمكن وصفها بـ*"السفر بالثقافة"* دون مغادرة القاهرة.
كما تشهد أروقة المعرض إقبالًا لافتًا من الأسر والشباب، في مشهد يعكس عودة تدريجية للكتاب الورقي إلى الواجهة، وسط رغبة واضحة في البحث عن محتوى معرفي أكثر عمقًا وتأثيرًا.
ولا تنفصل دلالة الشعار عن البعد النفسي، إذ تؤكد دراسات حديثة أن القراءة المنتظمة تسهم في تقليل التوتر والقلق وتحسين الصحة النفسية، فضلًا عن دورها في تنمية الخيال والقدرة على التركيز والتفكير النقدي، وهي قيم باتت مهددة في ظل هيمنة الشاشات والمحتوى السريع.
وفي هذا الإطار، يبرز معرض القاهرة الدولي للكتاب كمنصة ثقافية تسعى إلى إعادة التوازن بين التكنولوجيا والمعرفة، من خلال إعادة الاعتبار للكتاب كوسيلة أساسية لبناء الوعي والارتقاء بالذوق العام.
ولا تقتصر رسالة الشعار على أيام المعرض فقط، بل تمتد لتشكل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالقراءة، وإعادة ترتيب أولوياتنا اليومية بما يضمن مساحة ثابتة للكتاب في حياة الفرد والأسرة والمجتمع.
"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونًا".. عبارة تختصر فلسفة حضارية كاملة، تؤكد أن التقدم الحقيقي لا يُقاس بسرعة الإنترنت، ولا بعدد الشاشات، بل بعمق الوعي واتساع المعرفة.