أيمن السيسي: الحضور الأفريقي في معرض القاهرة للكتاب يؤكد مكانة مصر مركزًا للثقافة العربية والأفريقية
أكد الدكتور أيمن السيسي، الباحث والمفكر في الشؤون الإفريقية، أن معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام جسّد بصورة لافتة تفاعل الثقافات العربية والأفريقية على أرض مصر، مشيرًا إلى أن الحضور الأفريقي المتنامي يعكس الدور التاريخي والثقافي لمصر باعتبارها مركزًا جامعًا للثقافة في محيطها العربي والأفريقي.
وأوضح السيسي أن دورة المعرض الحالية شهدت تفوقًا واضحًا على الدورات السابقة، سواء من حيث كثافة الأنشطة الثقافية أو تنوع الفعاليات وتزايد أعداد دور النشر، إلى جانب التفاعل الكبير بين المثقفين والكتاب القادمين من مختلف أرجاء أفريقيا والوطن العربي، ما أضفى على المعرض حيوية خاصة وتجليات ثقافية ثرية.
وأشار إلى أن الاهتمام الخاص الذي أولاه وزير الثقافة الدكتور أحمد هنو بالمعرض كان له بالغ الأثر في هذا النجاح، لاسيما مع إسناد الإشراف التنفيذي للمعرض إلى الناقد والمثقف الكبير الدكتور أحمد مجاهد، الذي يمتلك خبرة طويلة في إدارة العمل الثقافي، وسبق له رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث أسهم آنذاك في إخراجها من حالة الجمود التي أعقبت رحيل الدكتور سمير سرحان.
وأضاف السيسي أن تولي الدكتور خالد أبو الليل رئاسة الهيئة حاليًا، إلى جانب هذا الإشراف الثقافي الواعي، أسهما في خروج المعرض هذا العام بصورة أكثر حيوية ونشاطًا، معتبرًا أن المعرض حقق ثلاث أهداف رئيسية؛ أولها جذب الشباب المصري، الذي يبرهن باستمرار على حيوية المجتمع وقوة نسيجه الثقافي، وثانيها الاهتمام بثقافة الطفل والأنشطة المخصصة له، فضلًا عن الندوات السياسية والفكرية ذات الطابع التفكيكي للأحداث الراهنة، وثالثها الحضور الأفريقي المتزايد داخل أروقة المعرض.
ورأى الباحث في الشؤون الإفريقية أن هذا الوجود الأفريقي هو ثمرة مباشرة لتحركات الدولة المصرية نحو أفريقيا، وتوجهات الرئيس عبد الفتاح السيسي الرامية إلى استعادة الدور المصري في القارة، مستفيدة من الزخم التاريخي لتراث الأزهر والكنيسة المصرية، إلى جانب الإرث السياسي والثقافي للزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
وأكد أن النشاط الدبلوماسي المصري، خاصة بقيادة وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، لعب دورًا مهمًا في تعزيز هذا الحضور، مشيرًا إلى نجاحات ملموسة حققتها البعثات الدبلوماسية المصرية في عدد من الدول الأفريقية، مثل موريتانيا والنيجر، إلى جانب الجهود الهادئة والمتزنة التي يبذلها السفير محمد كريم شريف، مساعد أول وزير الخارجية للشؤون الأفريقية.
واستعرض السيسي جانبًا من التفاعلات الثقافية التي شهدها المعرض، حيث التقى بعدد من الشخصيات الأفريقية البارزة، من بينهم الدكتور أبو بكر برقو رئيس اتحاد التلفزة الأفريقية، والدكتور سيدي محمد الطالب أعمر من موريتانيا، والكاتبة ليلى شغالي أحمد، التي تسعى إلى تعزيز التواصل الثقافي المصري الموريتاني، تحقيقًا لحلم والدها الكاتب والشاعر الموريتاني الكبير شغالي أحمد.
كما أشار إلى حضور أعمال روائية أفريقية بارزة، مثل رواية «عصا مقديشيو» للكاتب الإريتري هاشم محمود، التي وصفها بأنها من أهم الروايات الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، رغم غياب بعض الأسماء الأدبية المؤثرة عن المعرض.
وفي سياق متصل، لفت السيسي إلى أهمية الدور المجتمعي والثقافي الذي يقوم به عدد من الشخصيات الأفريقية المقيمة في مصر، خاصة في مجال تعليم الأطفال اللاجئين وربطهم بالثقافة المصرية، مؤكدًا أن هذه الجهود تمثل بعدًا إنسانيًا وثقافيًا لا يقل أهمية عن النشاط الرسمي.
واختتم الباحث في الشؤون الإفريقية حديثه بالتأكيد على الدور المحوري الذي تلعبه دور النشر المصرية، وعلى رأسها «دار النخبة»، في احتضان الأدباء والكتاب الأفارقة ونشر إبداعاتهم، معتبرًا أن هذا المسار يسهم في تعميق المعرفة المتبادلة، ويكشف عن الروابط التاريخية والاجتماعية العميقة بين مصر وشرق أفريقيا، وخاصة شرق السودان، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذا الزخم لتحقيق حضور أفريقي أوسع في الدورات القادمة من المعرض.