هذا المشهد صادم جدا ومفزع جدا لحثالات العلمانيين والمتغربين والمستنورين والملحدين، الذين يظنون أن الثقافة والفكر والتنوير لا يمكن أن يكون له قيام في ظل الدين، لكن الضربة تأتيهم من الجيل القارئ والجمهور المثقف، الذي يعطي لمعرض الكتاب حضورا ومعنى، وكأن جموعه لم تأت حبا في الكتاب أو شغفا بالقراءة، وإنما جاءت لتقيم شعائر الله وتدوي كلمة الله أكبر، في أعظم المشاهد الجماهيرية الحاشدة التي تعرفها القاهرة.
الصلاة تعنى الدين، والكثافة المبهرة تعنى أن سلطان الدين عميق في النفوس، متربع في القلوب، وكأن هذه الحشود المؤمنة لم تأت إلى هذا المكان من أجل الكتاب، وإنما جاءت لتغيظ كل ملحد منحل وتصفعه على قفاه، فلا يجد مناصا إلا أن يكتم حقده في نفسه ويولي مقهورا وقد خابت مساعيه.
أدرك أن فجرة العلمانيين المنحلين أصحاب التغريدات الكيدية للإسلام، في حالة مغص عضال حينما عاينوا هذه الصورة، ورغم أنها مجرد صورة إلا أن لها ألف حساب قد لا ندركه نحن أكثر مما يدركونه هم، إن الأمر يتخطى من مجرد شعور يجتاح أرواحهم بالخيبة، فصورة مثل هذه كفيلة أن تشعرهم بالغربة، والاحباط واليأس المميت القاتل.
الشعب هو الذي يرد، الجماهير هي التي ترد، ربما يقوم خالد منتصر، أو سحر الجعارة فيكيدون لعالم أو داعية بتغريدة سخيفة قميئة، على طريقة ردح الحريم، فينالون مأربهم من النصر والسخرية التي تشفي نفوسهم المعتلة.. وهم ربما يحققون هذا النصر العبثي الخائب، لكن الجماهير المثقفة في معرض الكتاب والتي عبرت عنهم وجمعتهم هذه الصورة التي التقتط للجمعة المباركة، جسدت أبشع مشهد تئن منه أرواحهم الشيطانية.
بل أنا هنا مؤمن أشد الإيمان، أنه أي إنسان له صلة وصداقة بخالد منتصر واتصل به في هذا التوقيت، ربما لن يرد عليه، ولو رد لاضطر هذا الصديق أن يهرول إليه بسرعة البرق حتى يواسيه ويخفف عنه مما وجد في مهاتفته من ضيق وهم وغم وحزن سخيم.. أو يذهب به إلى طبيب ليجد له علاجا من حالة الإسهال المزمن التي انتابته بسبب الصورة.
قد يتهمنا بعض القراء أننا نبالغ وأننا نحمل الأمور والمواقف أكثر مما تحتمل، وأن الصورة لم تكن صورة فتح مبين، أو نصر مظفر على الأعداء، وما هي إلا مجرد صورة لجموع تصلي، وما أكثر ما يصل الناس في كل سقع وبقع، ولكن اللائم إن ظن ذلك، فهو لا يعرف شيئا من طبيعة العلمانيين أو الملحدين، ويدلل على أنه غير بصير أو عميق التحليل لما يخفى عن العين المجردة، ذلك أن أكثر ما يؤرق هذه الطغمة الآثمة، أن تقام شعائر الإسلام، وفي أي مكان؟
لقد أقيمت في الأرض التي يظنونها أرضهم، وبالمكان الذي يعتقدونه مكانهم، في دنيا الثقافة وعالم الكتاب والمعرفة، والعيد الأبرز للمثقفين والقراء.. مجرد شعيرة لا تمثل إلا طقوسا دينية، ولكن رمزيتها عندهم تعني ضياع كل شيء، وفقد كثير من الأماني والأحلام، لقد ترك القراء كل شيء وهرولوا إلى نداء ربهم وفريضة دينهم، رجالا ونساء وأطفالا، فياله من حدث ويا لها من صورة، لم تكن مجرد مشهد للصلاة، بل هي رسالة بصرية حاشدة تحمل دلالات عميقة تثير الكثير من الحنق والتذمر، خاصة في الأوساط التي تحاول دائماً فصل المسار الثقافي عن الهوية الدينية للشعب المصري، فلطالما روج البعض لفكرة أن القراءة، والثقافة، والانفتاح على معرض الكتاب والآداب العالمية يجب أن يقود بالضرورة إلى تخفيف التمسك بالمظاهر الدينية أو الانفصال عن الهوية الإسلامية، ولكن هذه الصورة جاءت لتنسف هذا الادعاء؛ فهي تظهر أن المثقف المصري والمنهمك في القراءة هو نفسه الذي لا يترك صلاته، وأن الثقافة لديه لا تتصادم مع السجود للخالق.. ما يغيظ العلمانيين المتشددين في هذا المشهد، هو العفوية والانتشار، لا توجد جهة أجبرت هؤلاء الآلاف على الصلاة في الساحات بهذا النظام، بل هو نداء داخلي جعلهم يتركون الكتب والممرات ليقفوا صفاً واحداً، وهو مشهد يؤكد أن الدين في مصر ليس طقساً منزوياً في المساجد فقط، بل هو أسلوب حياة يخرج مع الناس إلى الشوارع والميادين والمعارض.
المشهد يمثل صدمة لكل من يحاول تصوير المجتمع المصري على أنه يتجه نحو النمط الغربي في التفكير، ورؤية آلاف الشباب والكبار وهم يفترشون الأرض أمام قاعات العرض ليؤدوا شعائرهم، تعطي انطباعاً بأن الجذور الدينية أعمق بكثير من أي محاولات للتغيير الثقافي السطحي.
هناك فئة تحاول احتكار وصف المثقف لمن يبتعد عن المظاهر الدينية، وهذه الصورة تكسر هذه الصورة النمطية، هي تقول بوضوح: نحن نقرأ، نطلع، نتثقف، وفي الوقت نفسه نحن عباد الله، هذا الجمع بين الكتاب والسجادة هو أكثر ما يثير حفيظة من يريدون رؤية مجتمع متحرر من قيود الشعائر، وكأن الصورة جاءت بمثابة استفتاء ميداني صامت، يثبت أن محاولات عزل الدين عن الفضاء العام في مصر تصطدم دائماً بحقيقة أن الإسلام هو المكون الرئيسي والغاية العظمى لغالبية هذا الشعب، مهما اختلفت اهتماماتهم وتوجهاتهم الثقافية.
