ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مقال بحثي يتعرض إلى مسألتين جوهرتين هما:

- قضية مقتل أمين عثمان.

- نكبة فلسطين الأولى.

لكنه يحكي في النهاية عن صفحة مضيئة في تاريخ الوطنية المصرية وجناحي العدالة:

القضاء والمحاماة ..!

-عندما يطلب الدفاع المتمثل في اليهودي والقبطي والمسلم إثبات كلمة عن فلسطين ووقف الدعوى لفترة من الزمن إجلالاً لما حل بفلسطين من قرار التقسيم فتستجيب المحكمة.

البداية ..

"مقتل أمين عثمان"

أمين عثمان
أمين عثمان

عند الساعة السادسة والنصف من مساء يوم السبت الخامس من شهر يناير ١٩٤٦ وقفت سيارة أجرة أمام المنزل رقم ١٤ بشارع عدلي باشا ونزل منها المرحوم أمين عثمان باشا( وزير المالية في حكومة الوفد سنة ١٩٤٢) ثم ولج باب العمارة في طريقه إلى نادي رابطة النهضة التي يرأسها.

( في عام ١٩٤٥ أسس امين عثمان باشا رابطة النهضة واتخذ لها مقر ١٤ شارع عدلي باشا)

وما كاد يصعد الدرج حتى برز شخص كان مترصداً له بالقرب من الباب الخارجي للعمارة وأطلق عليه عياراً نارياً فسقط يتضرج في دمه.

استغرق تحقيق القضية من النيابة العامة سنة كاملة وقُدم إلى المحاكمة فيها ٢٦ متهم أولهم الشاب حسين توفيق أحمد وهو نجل توفيق باشا وكيل وزارة الدفاع. ومن أبرز المتهمين الآخرين: محمد أنور السادات

٢٧ سنة ضابط سابق بالجيش. 

محمد إبراهيم كامل خريج كلية الحقوق ونجل المستشار أحمد كامل بك المستشار بمحكمة الإستئناف.

(عمل في السلك الديبلوماسي حتى عينه الرئيس السادات وزيراً للخارجية عند بدء المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي عقب زيارة السادات للقدس واستقالة اسماعيل فهمي وزير الخارجية اعتراضاً على هذه الزيارة وهو ما صنعه محمد إبراهيم كامل نفسه بعد ذلك إذ استقال اعتراضاً على اتفاق كامب ديفيد)

"نكبة فلسطين الأولى"

عام ١٩٤٧، بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية عن خطتها لإنهاء الانتداب على فلسطين، تبنّت الأمم المتحدة القرار ١٨١، والذي دعا إلى تقسيم أرض فلسطين إلى دولتين: يهودية وعربية، على أن تكون القدس تحت إدارة الأمم المتحدة.

وبحسب الوثيقة، خصص القرار نحو ٥٥ في المئة من الأرض لليهود.

وتضمّن هذا التقسيم العديد من المدن الرئيسية التي تضم أغلبية فلسطينية، وكذلك الساحل الحيوي من حيفا إلى يافا.

رفضت القيادة الفلسطينية والدول العربية قرار التقسيم، بدعوى أنه غير منصف، وبأنه ينتهك ميثاق الأمم المتحدة فيما يتعلق بحق تقرير المصير.

لكن الأمم المتحدة صوتت لصالح قرار تقسيم الأرض وإقامة دولة لليهود وأخرى للعرب.

"بدء إجراءات المحاكمة"

استغرق تحقيق قضية مقتل أمين عثمان سنة كاملة وتحدد لنظرها جلسة أول ديسمبر ١٩٤٧ برئاسة( صاحب العزة عبد اللطيف محمد بك وعضوية صاحبي العزة محمد صادق حمدي بك وإبراهبم خليل بك)

كانت أولى الجلسات إجرائية تم طلب استدعاء شهود كثر وضم ملفات قضايا وأيضاً تم الدفع بانتفاء مسئولية المتهم الأول لكونه يعاني من مرض عقلي وقد حققت المحكمة هذا الدفع الأخير بإحالة المتهم الى مدير قسم الأمراض العقلية لفحص قواة العقلية لمعرفة ما إذا كان يعتبر مسئولاً وقت ارتكاب الجرائم المتهم بها وحالته العقلية الآن.

كما أجابت طلب الدفاع بشأن سماع الشهود وضم ملفات القضايا.

"جلسة ٢ ديسمبر ١٩٤٧"

(محام مصري يهودي يطلب الكلام عن فلسطين)

في هذه الجلسة أثار الأستاذ زكي العريبي المحامي — على إثر انعقادها— مسألة فلسطين فقال:

"للمحاماة اليوم كلمة يجب أن نقولها قبل بدء نظر القضية، فقد شرفني زملائي ووكلوا إلى أن ألق كلمة عن فلسطين:

"تشغل الرأي العام حضرات المستشارين مسألة تخص العدالة في الصميم، فلا عجب أن يأتي ذكرها في مجلس العدل، فالرجل العادل، عادل في قوله وعادل في فعله وعادل في سياسته. وفلسطين التي قضى فيها قضاء مجحف متحيز ظالم بخلاف ما يقضي به العدل والانصاف لها كلمة تقولها في مجلس العدل. ليس عجباً أن أكون أنا البادئ بهذه الكلمة، وفي اعتقادي ان اليهود في فلسطين وفي خارج فلسطين هم أول من أصبب بالسهم في الصميم، فلأول مرة في التاريخ تقوم دولة على أساس من الدين وحده، ويجب أن يزول مثل هذا الشذوذ، وهذه المشكلة أن قي فلسطين أقل من نصف مليون من اليهود وهو عشر معشار اليهود خارجها. فهل يكون اليهود خارج فلسطين منتمين إلى هذه الدولة اليهودية أم يكونون تابعين للدولة التي أقاموا فيها وأقام آباؤهم واجدادهم من قبل؟ ولا خلاف في أن كل يهودي مهما يكن مقامه هو فرد من أفراد الأمة التي يقيم فيها، له ما لهم وعليه ما عليهم. وعلى هذا الوضع بلغت الأمور خطراً عظيماً وأصبحنا في يوم لا يعلم غده، وإن اليهود المصريين لهم كلمة ممثلة في شخصي في ساحة العدل، وهى أنهم مع هذه الأمة المصرية، بل مع العروبة جميعاً صفاً واحداً ، ولست أدري فرقاً بين البهودي المصري والمسلم المصري، كلهم في الوطن سواء، وكلهم يشعر بشعور واحد ويتحرك حركة واحدة، فإن كانت هذه الحركة تتطلب جهاداً فاليهودي المصري أول المجاهدين. لا ولاء لليهودي المصري الا للملك ولا وطن له إلا مصر وهذا عهد مبذول لا يمكن أن يتحول عنه إلا خائن"

"كلمة المسيحي"

ثم أعقبه الأستاذ وهيب دوس بك المحامي وقال:

"إن ما قاله الأستاذ زكي عريبي ليغتبط به كل من في هذا المكان، ولا أكون مغالياً إذا طلبت منكم أن تؤيدوا هذه الفكرة فأرجو أن تعطلوا العمل في هذه القضية يوماً أو بعض يوم، لعل من الحكمة أن يصادف وقوع — حادث فلسطين– في هذا الوقت ليكون أمامكم ممثلاً مجسماً للعدالة.

العدالة التي وعدت العرب بامبراطورية، والتي وعدت الهند في الحرب الماضية، وهم خمسمائة مليون بالتحرر، العدالة التي وعدت المصريين بمختلف الوعود بالحرية. هذه العدالة تزول بزوال الحرب وهي التي دفعت بنا إلى وهؤلاء الشباب — وأشار إلى المتهمين– إلى دفع ثمن كان الواجب أن يكون لكم ولنا نصيب فيه، ونرجو أن يكون قي تصرف المحكمة ما يؤيد هذا الشعور سواء أكان بتعطيل الدعوى يوماً كاملاً أم بعض يوم"

"كلمة المسلم"

ثم وقف الأستاذ محمد لطفي جمعه وقال: " تكلم الموسوى اليهودي زميلي الأستاذ زكي عريبي يشأن فلسطين ، وتكلم زميلي وحبيبي الأستاذ وهيب دوس بك القبطي مؤيداً له ، ولا بد أن يتكلم المسلم المصري العربي تعقيباً على هذا الكلام لنظهر في هذه اللحظة في مظهر الاتحاد والتضامن في محنة فلسطين فكلاهما أجمل المعنى وأوقع الأثر في النفس فالدين لله والوطن للجميع"

"كلمة النيابة"

وشارك ممثل النيابة الأستاذ كامل القاويش، هذا الشعور النبيل نحو مسألة فلسطين لا على أساس أنها مسألة سياسية ، "فنحن نؤمن بأن هيئة المحكمة وكذلك حضرات المحامين يؤمنون كل الإيمان بأن السياسة لا يصح أن تدخل من باب هذا المحراب بل على أنها قضية عادلة لم تصادف عدلاً من قضاتها، وما ننتظر عدلاً من قضاتها وهم سياسيون، فالسياسة لا قلب لها ولا دين والعدالة كالجبال الرواسي، لا تتزعزع في أي زمن ولا أي حين"

"كلمة المحكمة"

قال رئيس الجلسة:

"إن المحكمة تعلن من جهتها أن القضاء الواقف جميعاً، المحاماة والنيابة، قد قاما بالإعلان عن بالغ الحزن وعمق الأثر الذي مسنا جميعاً ونال من الشرق عامة، والأمة المصرية خاصة، ولا يرى القضاء الجالس إلا الاكتفاء به عن عواطفه تفسيراً، ولا عن حواسه تدليلاً، وإن هيئة الأمم بدلاً من أن تكون رسول سلام كانت على السلام حرباً وضده سهماً.

فمشاركة لهذا الشعور والحزن الذي عم النفوس، لا يسع المحكمة إلا تقرير وقف الجلسة فترة من الزمن تسجيلاً لذلك"

رفعت الجلسة ..!

— — – –

" راجع في ذلك الأستاذ لطفي عثمان المحرر بجريدة الأهرام. المحاكمة الكبرى في قضية الاغتيالات السياسية.

القاهرة في ٢٥ يوليو سنة ١٩٤٨.

إعادة نشر وزارة الثقافة. الهيئة العامة لقصور الثقافة ٢٠١٦.

تم نسخ الرابط