ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

 إن القراءة ليست حروفًا تهجَّى، ولا صفحاتٍ تُقلَّب، وإنما هي روحٌ تُبعث، وعقلٌ يُستنهض، وبنيان من العلم  يبنى، وعقول تضاء بكنوز المعرفة.
وما أصدق مقولة نجيب محفوظ: " من يتوقف عن القراءة ساعةً يتأخر قرونًا"؛ فليست الساعة في موازين الحضارة ستين دقيقة، بل هي مقياس دقيق بين النهوض والسقوط، وبين تسطير المجد في سجلّ الأمم، أو الغياب في هوامش التاريخ!
  إن الأمم تُقاس بما تقرأ لا بما تملك، وأن العمر إذا خلا من المعرفة كان عددًا بلا معنى، وحياة بلا طعم، وقد سئل أرسطو: كيف تحكم على إنسان؟ فأجاب: أسأله كم كتابا يقرأ وماذا يقرأ؟ .. فالقراءة  هي الحياة كما قال الكاتب الروسي الشهير "دوستويفسكي" الذي اعتبر القراءة حبل النجاة الذي يمنح المعرفة والتنوير.
    إن المتأمل لتاريخ حضارتنا العربية ليعلم أنها ما ازدهرت إلا يوم أن كان الكتاب رفيق المجلس، وجليس السَّحر، وموضع التقديس قبل الترفيه، إن رواد هذه الحضارة كان يؤمنون بمبدأ عظيم هو: " العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك"
   فـ اقرأ كانت أول خطاب، والكتاب كان أول السلاح، وليس التوقف عن القراءة توقفًا عن الورق فحسب، بل هو تعطيل للبصيرة، وإغلاق لنوافذ العقل، وتسليم للزمن أن يتقدّم ونحن في موضعنا نراوح. فالزمن — كما قال الحكماء — لا ينتظر أحدًا، ومن لم يزاحمه بالعلم داسته خطاه؛ لذلك كان القارئ سابقًا لعصره، حتى وإن عاش بين أبناء زمنه. 
  وقد أدرك أسلافنا أن القراءة ليست تكديس معرفة، بل تهذيب للنفس، وتقويم للفكر، وتحرير للإنسان من أسر الجهل. قال الجاحظ: «الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملّك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بكذب»
   إن التوقف عن القراءة ساعةً يعد انسحابًا من معركة الوعي، وتخلّيًا عن حق الفهم والاختيار، فالقارئ وحده هو من يملك أن يفرّق بين الرأي والمعرفة، وبين الضجيج والحقيقة، وبين ما يُقال وما ينبغي أن يُقال.
  وفي هذا العصر الرقمي لابد أن نجعل من التكنولوجيا وسيلة لخدمة القراءة والمعرفة، فمن ضاق وقته ولا يستطيع أن يحمل الكتاب الورقي معه يهديه الكتاب الإلكتروني فرصة ذهبية تتمثل في اصطحابه في حله وترحاله عن طريق الهواتف واللوحات الذكية.
   ويمكن الاستفادة من الكتب الرقمية التي باتت متاحة للجميع بعد أن كانت حبيسة الرفوف بعيدة المنال، وبذلك بات في إمكان القارئ أن ينتقل بين كتب التراث، وأحدث الإصدارات بلمسة زر واحدة دون عناء سفر، أو كلفة اقتناء.
كذلك يمكن الاستفادة من المنصات التعليمية المختلفة التي تتيح شروحا وأسئلة نقاشية في مجالات العلم المختلفة؛ مما يحول دون سلبية المتلقي،  ويجعل الإيجابية منهجه في تعامله مع العلم. 
     إن شعار معرض القاهرة الدولي للكتاب لا يرفع مقولة عابرة، بل يستحضر حكمة تراثية بثوب معاصر، ليذكّرنا بأن القراءة ليست هوايةً للنخبة، ولا زينةً للمجالس، بل ضرورة وجودية، بها تُصان الهوية، ويُستأنف الدور الحضاري للأمة.... وختاما نقول:
من أراد أن يسبق زمانه فليقرأ، ومن خشي أن يتأخر عن ركب الحضارة فليقرأ، ومن أراد أن يكون ابن يومه لا أسير أمسه فليقرأ، ومن أراد أن يكون قائد الغد فليقرأ.. .فالقراءة حياةٌ أخرى، ومن توقف عن الحياة ساعة..  مات فيها قرونًا.

تم نسخ الرابط