الصالونات الثقافية ليست ترفًا فكريًا، ولا فعالية بروتوكولية تُضاف إلى جدول العمل، بل هي أحد أهم أدوات بناء الوعي المؤسسي في الدول التي تؤمن بأن العدالة لا تقوم بالنص وحده، وإنما بالفهم، والحوار، وتبادل الخبرات.
ما جرى داخل معهد تدريب النيابة العامة، من صالون ثقافي مشترك بين النيابة العامة المصرية ونظيرتها الليبية، هو نموذج عملي لما يجب أن تكون عليه المؤسسات القضائية الحديثة:
مؤسسات تتعلم بقدر ما تُعلِّم، وتُراجع بقدر ما تُحاكم، وتستشرف المستقبل بقدر ما تحمي الحاضر.
أهمية هذه الصالونات لا تتوقف عند نقل الخبرات من الشيوخ إلى الأجيال الجديدة، رغم أن ذلك في حد ذاته قيمة كبرى، لكنها تتجاوز ذلك إلى خلق مساحة آمنة للحوار القانوني الرصين، تُطرح فيها الرؤى، وتُناقش الإشكاليات، وتُبنى جسور الثقة بين المؤسسات القضائية العربية.
واللافت في هذا الصالون، ليس فقط فكرته، بل دقة اختيار متحدثيه؛
ما بين قامة علمية كبرى بحجم الأستاذ الدكتور حسام الأهواني، الذي يُعيد للعقل القانوني عمقه الفلسفي،
وما بين رمز قضائي راسخ كمعالي القاضي الجليل علي الهواري، - رئيس المكتب الفني بمحكمة استئناف القاهرة، الذي يجسّد هيبة القضاء ووزنه العملي، فتجد عندما يتحدث ينصت الجميع لينهلوا من علمه، فتنطلق الكلمات من القلب لتصل لقلوب الحاضرين، بينما تجد الموهوب صاحب الرؤية المؤسسية الواعية التي يحملها المستشار الدكتور محمد حسام، المحام العام الأول بمكتب النائب العام، باعتباره أحد العقول المخطِّطة داخل منظومة النيابة العامة، والذي أبدع كعادته في كلمته، والحقيقة أن تلك هي المرة الثانية، التي تجده فيها محل تقدير اساتذة القانون، الذين حرصوا بعد الصالون الثقافي على مصافحته وإبداء الإعجاب بما قدم.
هذا التنوع ليس صدفة، بل يعكس فهمًا حقيقيًا لدور الصالونات الثقافية في المرحلة المقبلة؛ مرحلة تتطلب قاضيًا مثقفًا، وعضو نيابة مدركًا للسياق، ومؤسسة قادرة على قراءة المجتمع لا الانفصال عنه.
إن المجتمع لا يثق في العدالة لمجرد صدور الأحكام، بل يثق حين يرى أن من يُطبق القانون يفهم الإنسان، ويدرك التحولات، ويتفاعل مع الواقع بوعي ومسؤولية.
ومن هنا، تصبح الصالونات الثقافية جزءًا من الأمن المجتمعي، لا مجرد نشاط ثقافي.
وتحية مستحقة لقيادات آمنت بالفكرة قبل تنفيذها،
وفي مقدمتهم معالي النائب العام المستشار محمد شوقي، الذي وجّه بإطلاق هذا الصالون، فتابعها معالي النائب العام المساعد المستشار عمرو فاروق البدرماني، ونفذها المستشار علي مختار، مدير معهد البحوث الجنائية والتدريب، دينامو العمل الحقيقي،
الذي قدم الصالون كمذيع متمكن وكانت تعليقاته ولمساته تكشف عن قراءته الواسعة ليس في القانون وحده وإنما في مجالات متعددة، والمستشارين محمد هدايات وأحمد حمودة، كنماذج لقيادات تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو في العقل قبل أي شيء.
هنا تُبنى العدالة بالعقل.. قبل أن تُكتب بالحبر.
وهنا يصبح القانون ثقافة.
وننتظر إطلاق العديد من الصالونات الثقافية في بيت العدالة.
