ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

من قرية "بني عامر" إلى منبر العالمية.. رحلة الدكتور أحمد عمر هاشم مع علم الحديث

أحمد عمر هاشم
أحمد عمر هاشم

احتفت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، يوم الجمعة، بالذكرى الخامسة والثمانين لميلاد العالم المحدث الكبير الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، تقديراً لمسيرته الحافلة التي انطلقت من قرية "بني عامر" بمحافظة الشرقية في مثل هذا اليوم من عام 1941، لتضيء أروقة الأزهر الشريف والعالم الإسلامي قاطبة بعلم الحديث النبوي الشريف، وأكدت الهيئة في بيانها الرسمي بهذه المناسبة الجليلة، أن الدكتور أحمد عمر هاشم يمثل نموذجاً فريداً ومشرقاً للداعية والأديب والقاضي الذي استطاع ببراعة نادرة أن يجمع بين دقة الرواية العلمية وعذوبة الأسلوب الأدبي، مشيرة إلى أن الاحتفاء بذكرى ميلاده ليس مجرد طقس دوري، بل هو احتفاء بقيمة "العالم العامل" الذي نذر حياته بالكامل لتحقيق وصية والده بخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وتنشئة أجيال من الباحثين على منهج الوسطية والاعتدال الذي يمثله الأزهر الشريف عبر العصور.

فيض الباري والسنة

خلال فعاليات الاحتفاء، تم تسليط الضوء بشكل موسع على إنجاز الدكتور أحمد عمر هاشم الأكبر والمتمثل في موسوعة "فيض الباري في شرح صحيح البخاري"، والتي تُعد واحدة من أهم وأدق الشروح المعاصرة التي كُتبت بمداد التخصص والتميز العلمي، حيث استطاع من خلالها تقريب مفاهيم السنة النبوية وتيسير فهم أحاديث البخاري لجمهور المسلمين بلغة رصينة ومبسطة في آن واحد، وبالتزامن مع هذه الذكرى، عقدت هيئة كبار العلماء ندوة فكرية رفيعة المستوى بعنوان "السنة في مواجهة التحدي"، تيمناً باسم أحد أبرز مؤلفاته التي أحدثت حراكاً علمياً واسعاً، وناقشت الندوة جهوده الدؤوبة في الرد على منكري السنة وتفنيد الشبهات بالحجة والبرهان الساطع، مؤكدة أن الدكتور أحمد عمر هاشم كان ولا يزال حائط صد قوي في مواجهة التيارات التي حاولت النيل من ثوابت الدين، مستخدماً في ذلك أدوات العلم الأكاديمي والخطابة التأثيرية التي جذبت القلوب والعقول معاً.

رئاسة جامعة الأزهر

استعرضت جامعة الأزهر في تقرير مفصل لها اليوم، الإنجازات التاريخية التي حققها الدكتور أحمد عمر هاشم خلال فترة رئاسته للجامعة العريقة التي امتدت من عام 1995 وحتى عام 2003، حيث شهدت تلك الحقبة طفرة نوعية كبرى في مجال الدراسات العليا المتخصصة، لاسيما في علوم الحديث وأصول الدين، وأكد التقرير أن فترته تميزت بالتوسع في إنشاء الكليات الجديدة وتطوير المناهج الدراسية بما يواكب العصر مع الحفاظ على الأصالة الأزهرية، كما استذكر تلاميذ الراحل شغفه بالخطابة الذي بدأ ينمو منذ نعومة أظفاره في معهد الزقازيق الديني، وكيف تحول هذا الشغف المبكر إلى منبر عالمي من خلال برامجه التليفزيونية والإذاعية الشهيرة التي تربت عليها أجيال متعاقبة من المسلمين، حيث كان صوته الرخيم وكلماته المؤثرة جسراً عبرت من خلاله قيم الإسلام السمحة إلى بيوت وقلوب الملايين في شتى بقاع الأرض، مما جعله "رائد الخطابة الحديثة" بلا منازع.

أثر لا يغيب

اختتمت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بيانها بالتأكيد على أن رحيل الأجساد لا يغيب الأثر العلمي والروحاني، فالدكتور أحمد عمر هاشم سيبقى حياً وخالداً بمؤلفاته العلمية والأدبية التي تجاوزت 50 كتاباً، أثرت المكتبة الإسلامية بكنوز لا تقدر بثمن، كما سيبقى صوته الذي ما زال يتردد بـ "حديث الروح" و"أحاديث الصباح" في وجدان المحبين وطلاب العلم، إن حياة الدكتور أحمد عمر هاشم هي قصة كفاح ونجاح بدأت من الريف المصري لتصل إلى أعلى المراتب العلمية، محققة توازناً نادراً بين العلم والتقوى، والبحث والخطابة، والريادة الأكاديمية والتواضع الإنساني، ويبقى احتفاء الأزهر به اليوم هو رسالة وفاء من المؤسسة العريقة لأحد أبنائها المخلصين الذين رفعوا رايتها عالية، وتذكيراً للأجيال الجديدة بأن العلم والعمل هما السبيل الوحيد لرفعة الأمة وحفظ تراثها النبوي من الضياع أو التحريف، ليبقى الدكتور أحمد عمر هاشم رمزاً ملهماً لكل من يسلك طريق العلم والداعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

الدفاع عن الثوابت

لم تكن مسيرة الدكتور أحمد عمر هاشم مجرد مسيرة أكاديمية باردة، بل كانت نضالاً فكرياً مستمراً للدفاع عن الهوية الإسلامية، حيث تميزت كتاباته بالقدرة على ربط السنة النبوية بالواقع المعاصر، وحل المشكلات المجتمعية من خلال الاسترشاد بالمنهج النبوي، وقد أشار الحاضرون في ندوة الهيئة إلى أن قوة الدكتور أحمد عمر هاشم تكمن في قدرته على الجمع بين الانضباط المنهجي للمحدثين وبين الرؤية المقاصدية للفقهاء، وهو ما جعل فتاواه وآراءه مرجعاً آمناً في أوقات الفتن، إن الاحتفال بمرور 85 عاماً على ميلاده هو في جوهره دعوة لإحياء المنهج الذي سار عليه، القائم على احترام الدليل وتقدير العقل وخدمة الإنسانية، ليدوم هذا العطاء العلمي مدراراً ينهل منه القاصي والداني، وليبقى الدكتور أحمد عمر هاشم علماً من أعلام الهدى ومصابيح الدجى في تاريخ الأزهر الشريف المعاصر، وصوتاً للحق لا يخفت أبداً مهما تعاقبت السنون وتغيرت الأزمان.

تم نسخ الرابط