النيابة الإدارية: إحالة 7 مسؤولين بنظافة الجيزة للمحاكمة بسبب "خسارة 13 مليون يورو"
أصدر المستشار محمد الشناوي، رئيس هيئة النيابة الإدارية، قراراً حاسماً بإحالة سبعة من كبار المسؤولين بالهيئة العامة للنظافة والتجميل بمحافظة الجيزة للمحاكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا.
جاء هذا القرار على خلفية التحقيقات الموسعة التي أجراها المكتب الفني لرئيس الهيئة في القضية التي هزت الرأي العام في عام 2026، حيث تبين ارتكاب المتهمين مخالفات مالية وإدارية جسيمة في مشروع النظافة المتكاملة بالشراكة مع شركة أجنبية.
وكشفت التحقيقات أن هذا الإهمال أدى إلى إضعاف الموقف القانوني للدولة المصرية في المحافل الدولية، مما اضطر الحكومة للدخول في تسوية تحكيمية تسببت في تكبد الخزانة العامة مبلغاً ضخماً قدره "13 مليون يورو" لصالح الشريك الأجنبي، كتعويض عن الأضرار الناجمة عن مخالفات التعاقد والتنفيذ.
كارثة "أرض الآثار": تسليم مكب نفايات بشبرامنت للشركة الأجنبية دون فحص الموقف القانوني
كشفت التحقيقات التي باشرها المستشار الدكتور أحمد طه عن واقعة مثيرة للذهول، حيث قام المتهم الأول بالاشتراك مع لجنة فنية بإسناد مشروع إنشاء مكب للدفن الصحي للنفايات على مساحة 110 فدان بمنطقة "شبرامنت" لشركة أجنبية، دون الحصول على الموافقات اللازمة.
والمفاجأة الكبرى التي فجرها تقرير المجلس الأعلى للآثار كانت أن هذه الأرض تقع بالكامل ضمن نطاق المنافع العامة للآثار، مما يجعل تخصيصها كمنطقة دفن نفايات أمراً غير قانوني ومستحيلاً من الناحية الفنية والتعاقدية.
هذا الخطأ الإداري القاتل حال دون قيام الشركة بتنفيذ التزاماتها، مما دفعها للجوء إلى التحكيم الدولي ضد الدولة المصرية، مطالبة بتعويضات خيالية وصلت في البداية إلى "170 مليون يورو" أمام مركز "إكسيد" التابع للبنك الدولي.
التقاعس عن صرف المستحقات: كيف ساهم "عناد المسؤولين" في إضعاف موقف مصر القانوني؟
لم تتوقف المخالفات عند حد "أرض الآثار"، بل امتدت لتشمل تقاعس المتهمين من الثاني وحتى السابعة عن تنفيذ البنود المالية للعقد.
فقد كشفت التحقيقات عن تعمد المسؤولين الماليين بالهيئة التراخي في صرف المستخلصات المستحقة للشركة الأجنبية، وقيامهم باستقطاعات مالية غير قانونية من مستحقاتها، ورفض صرف فروق الأسعار المتفق عليها.
هذا السلوك الإداري المتعنت منح الشركة الأجنبية ذريعة قوية لإثبات عدم التزام الدولة المصرية بتعهداتها التعاقدية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (إكسيد).
وبناءً على ذلك، اضطرت اللجنة الوزارية لتسوية منازعات عقود الاستثمار إلى التدخل لإبرام عقد تسوية نهائي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث تم الاتفاق على دفع 13 مليون يورو بدلاً من المبلغ الضخم الذي طالبت به الشركة، مع الالتزام بسدادها على أقساط لمدة عام.
إجراءات رادعة: إحالة الجانب الجنائي للنيابة العامة وإخطار مجلس الوزراء بملف "الآثار"
في ضوء الجسامة التي انطوت عليها الواقعة، لم تكتفِ النيابة الإدارية بالإحالة للمحاكمة التأديبية، بل أمر رئيس الهيئة بإبلاغ النيابة العامة لبحث الشق الجنائي في الواقعة.
كما تم إخطار رئاسة مجلس الوزراء بضرورة التدخل الفوري لوقف استخدام قطعة الأرض المشار إليها كمكب عمومي للنفايات، نظراً لاستمرار التعدي على حرم المنافع العامة للآثار، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون.
وشملت القرارات أيضاً إحالة الممثل القانوني السابق للهيئة لقطاع التفتيش بوزارة العدل، وفتح تحقيق مستقل لتحديد الصفة الوظيفية لممثلي وزارة البيئة الذين شاركوا في اللجنة الفنية، لضمان محاسبة كافة الأطراف التي ساهمت في هذه الكارثة المالية والإدارية التي استنزفت موارد الدولة.
رسالة حزم من النيابة الإدارية لحماية استثمارات الدولة وهيبتها القانونية
تمثل هذه القضية نموذجاً صارخاً لخطورة البيروقراطية والإهمال الإداري حينما يتجاوز الحدود المحلية ليصل إلى النزاعات الدولية. إن تحرك النيابة الإدارية في عام 2026 يؤكد أن الرقابة على أموال الدولة لا تسقط بالتقادم، وأن حماية هيبة الدولة في عقود الاستثمار هي أولوية قصوى.
إن سداد 13 مليون يورو من أموال الشعب نتيجة أخطاء كان يمكن تلافيها هو درس قاسٍ لجهة الإدارة بضرورة استيفاء الدراسات القانونية والفنية قبل طرح المشروعات الكبرى.
ويبقى الأمل في أن تساهم هذه الإجراءات الردعية في ضبط منظومة التعاقدات الحكومية مستقبلاً، لضمان عدم تكرار مثل هذه الثغرات التي تفتح الباب أمام استنزاف الخزانة العامة تحت وطأة التحكيم الدولي.