"صمت المحركات".. السيارات الكهربائية تغزو شوارع كوبا لمواجهة حصار الوقود
بدأ هدير محركات "شيفروليه 1959" العتيقة، التي لطالما كانت القلب النابض لشوارع هافانا، يتوارى خلف الصمت المطبق للمركبات الكهربائية، في ظل أسوأ أزمة وقود تواجهها الجزيرة منذ عقود. فبعد ستة عقود من الثبات على شكل سيارات "الكلاسيك" الملونة، فرضت الندرة الشديدة في المحروقات تحولاً جذرياً نحو الطاقة المتجددة. وتأتي هذه الأزمة نتيجة تشديد العقوبات الأمريكية التي استهدفت قطع إمدادات النفط من فنزويلا (الحليف الأبرز لكوبا) وتهديد الدول المصدرة للوقود بتبعات اقتصادية صارمة، مما جعل المركبات الكهربائية الصينية الصنع الوسيلة الوحيدة لإبقاء البلاد على قيد الحركة اليوم السبت.
قرارات "ترامب" وخطة التقنين الحكومية
صنفت إدارة الرئيس دونالد ترامب كوبا كـ "تهديد غير عادي واستثنائي" للأمن القومي الأمريكي، وهو ما ترجمته واشنطن عبر توقيع أمر تنفيذي في يناير الماضي يفرض رسوماً جمركية عقابية على أي دولة تزود الجزيرة بالنفط. ورداً على هذا "الحصار الطاقي"، أعلنت الحكومة الكوبية عن خطة تقنين واسعة النطاق لحماية الخدمات الأساسية، حيث أدت الأزمة إلى تعليق إمدادات وقود الطائرات لمدة شهر وانقطاعات في التيار الكهربائي تصل إلى 20 ساعة يومياً، مما دفع السكان للاعتماد الكلي على "التوك توك" والدراجات الكهربائية كبديل أرخص وأكثر توفراً من النقل الخاص والمواصلات العامة التي شُلت حركتها.
"التريسكلو" الكهربائي.. شريان الحياة في هافانا
في حي "ألامار" بضواحي العاصمة، يقود يوجينيو جينزا عربة كهربائية ثلاثية العجلات (تريسكلو) تابعة للدولة، منقلاً الركاب عبر الطرق الوعرة. ويقول جينزا: "نقوم بـ 16 رحلة يومياً، فلا يوجد وقود في المحطات، وهذه العربات هي الوسيلة الوحيدة التي تدعم المنطقة حالياً". وبالنسبة للسكان، أصبحت هذه المركبات "شريان حياة" في اقتصاد يعاني من تدهور حاد، حيث ساهم انتشار أكثر من 23 ألف مركبة كهربائية صغيرة (سكوتر وعربات ثلاثية) في منع "الشلل الكامل" للجزيرة، رغم الصعوبات اللوجستية وتدهور حالة الطرق التي تعيق حركة هذه المركبات الخفيفة.
تحديات الاستدامة والأزمة الإنسانية
رغم أن التحول نحو الطاقة الكهربائية يبدو حلاً "مستداماً"، إلا أن خبراء الأمم المتحدة حذروا من أن نقص الوقود الأحفوري يهدد الأنظمة الصحية والغذائية، خاصة وحدات العناية المركزة وتبريد الأدوية. ويؤكد مواطنون كوبيون أن الاعتماد على الطاقة المتجددة هو الشيء الوحيد الذي يحافظ على قدرتهم على التنقل والحصول على الغذاء، في ظل ارتفاع أسعار النقل الخاص وتأثير ذلك المباشر على تكلفة السلع الأساسية. ومع استمرار الضغوط الدولية، تظل "الثورة الصامتة" للمحركات الكهربائية في كوبا رمزاً للصمود في وجه الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة في عام 2026.