ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في رحيل الكبار لا يُفجِعنا الغياب بقدر ما تُفجِعنا المسافة التي تتسع فجأة بين ما كنّا نظنه ثابتًا في هذا العالم.. وما يتبدد في لحظة.

يرحل اليوم الأستاذ الدكتور

مفيد شهاب الوزير السياسي والقامة الأكاديمية والبرلمانية والقانونية

فتنطفئ قبس من علم نافع لم بكن مجرد عالمٍ في القانون الدولي، بل كان ضميرًا قانونيًا يُشبه مصر حين تتكلم بالعقل والحكمة والوقار.

لم يكن فقيهًا يكتب النصوص بحياد الأكاديميين، بل كان من أولئك الذين يعرفون أن القانون — قبل أن يكون مواد — هو حماية لحقٍ وذاكرة لوطن.

 لذلك حين دخلت مصر واحدةً من أدق معاركها القانونية في طابا، لم يكن حضوره شكليًا ضمن وفد تفاوضي، بل كان جزءًا من العقل الذي صاغ الحجة، ومن الروح التي آمنت أن الأرض تُسترد بالوثيقة كما تُسترد بالتضحية.

هناك لم يكن مجرد أستاذ قانون.. بل كان محامي الجغرافيا.

وفي الجامعة، داخل أروقة جامعة القاهرة، ظل نموذج الأستاذ الذي لا يصنع تلاميذ يحفظون، بل عقولًا تُفكِّر.

أدارها رئيسًا، ووقف على منابرها أستاذًا، فبقي الأثر واحدًا: هيبة العلم قبل هيبة المنصب.

ثم مضى إلى العمل العام، وزيرًا ونائبًا ورئيسًا لـ الجمعية المصرية للقانون الدولي، دون أن يتبدل صوته أو لغته؛ فالرجل الذي يعرف قيمة النص لا يساوم على المعنى، والذي تربى في محراب القانون لا يجيد ضجيج السياسة بقدر ما يجيد ضبطها.

كان من ذلك الجيل الذي يرى المنصب تكليفًا معرفيًا لا سلطة، ويمارس الوطنية بصيغة هادئة: لا خطابة فيها ولا استعراض.. فقط عملٌ متراكم يشبه البناء الحجري القديم؛ لا يلمع كثيرًا لكنه يبقى طويلًا.

وفي تلك الصورة التي جمعته معي ومع د. حسام كامل و د. ليلى عبدالمجيد ابنة دفعتي كانت بمناسبة

تكريم لم يكن احتفالًا بشخص، بل اعترافًا بزمنٍ كامل من الانضباط العلمي والاتزان الوطني.

رحم الله الدكتور مفيد شهاب.

فبعض الرجال لا يُعرَفون بعدد المناصب، بل بعدد المرات التي احتاجت فيها الدولة إلى العقل فوجدته حاضرًا، وإلى الحكمة فوجدته صامتًا إلا عند الضرورة.

يغيب الجسد.

لكن تبقى في الذاكرة صورة الأستاذ الذي علّمنا أن القانون يمكن أن يكون أخلاقًا، وأن الوطنية يمكن أن تكون معرفة.

تم نسخ الرابط