ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الفرق بين الدين والتدين.. كلمات ذهبية للشيخ علي جمعة في العصر الرقمي

خلف الحدث

في عصر تتسارع فيه المعلومات وتنتشر بسرعة غير مسبوقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حذر الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، من الاعتماد العشوائي على هذه الوسائط لتلقي المعرفة الدينية، مؤكدًا أهمية التمييز بين العالم المؤصل وبين صاحب الخطاب الديني غير المنهجي الذي قد يكون متقنًا للعبارات لكنه يفتقر إلى الأسس العلمية المتينة.

جاء ذلك خلال استضافته في برنامج اعرف دينك على قناة صدى البلد، حيث شدد الشيخ علي جمعة على أن التطور الكبير في وسائل الاتصال الرقمية أتاح انتشار المحتوى الديني بشكل واسع، لكنه في الوقت ذاته فرض تحديًا حقيقيًا أمام الجمهور، وهو ضرورة الرجوع إلى المصادر العلمية المعتبرة لفهم الدين على نحو صحيح. وأوضح أن هذا التحدي يفرض على كل مسلم ودارس أن يفرق بوعي بين الدين والتدين، لأن هذين المصطلحين لا يعنيان الشيء نفسه على الإطلاق.

وأوضح الشيخ علي جمعة أن التدين هو سلوك يمكن أن يمارسه الكثيرون من خلال الوعظ والإرشاد وترقيق القلوب، وقد يظهر في صيغ جميلة وعبارات مؤثرة، لكنه قد يظل سطحيًا إذا لم يقترن بالعلم الشرعي المتين. أما الدين فهو علم منضبط له قواعده ومناهجه وكتبه المعتمدة، ويحتاج إلى دراسة منظمة ومناهج صحيحة لفهم النصوص الدينية على الوجه الأكمل. وأضاف أن علم الدين لا يمكن أن يكون عشوائيًا، بل يقوم على أسس واضحة تحدد الطريق الصحيح للمعرفة الشرعية.

وأشار المفتي الأسبق إلى أن العلم الشرعي يقوم على خمسة أركان أساسية: الأستاذ، الذي يمتلك المعرفة والخبرة، والطالب الذي يسعى للتعلم بجدية، والمنهج الذي يحدد خطوات الدراسة وطرق الفهم، والكتاب الذي يحتوي على المعرفة الأصلية، والجو العلمي الذي يشجع على الحوار المنهجي والبحث الدقيق. وأوضح أن أي شخص لا أصل له في التلقي، ولا أساتذة معروفين تتلمذ عليهم، لا يمكن أخذه كمصدر موثوق للدين مهما بدا مظهره حسنًا أو حسنت عباراته.

وشدد الشيخ علي جمعة على أهمية دراسة العلوم الأصلية وعلوم الآلة والعلوم المساعدة لفهم الدين بشكل متكامل، معتبرًا أن هذه الدراسة المتعمقة هي التي تمنح الدارس القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وتحصنه من الانزلاق وراء محتوى سطحي أو مضلل. كما اعتبر أن الشهادة العلمية المعتمدة هي دليل على التكوين المنهجي للفرد، وأنها تضمن أن من يُأخذ عنه الدين يمتلك قاعدة علمية صحيحة.

كما حذر من الانسياق وراء مؤثرين أو ناشرين للمحتوى الديني على وسائل التواصل الاجتماعي دون التأكد من مؤهلاتهم، مشيرًا إلى أن مظهر التدين وحده لا يكفي لإثبات صحة المعرفة التي ينقلها الشخص. فالخطاب الديني يحتاج إلى منهجية علمية دقيقة لتجنب اللبس والاضطراب بين جمهور المتلقين. وذكر أن الخطأ في تلقي الدين قد يؤدي إلى تشويش مفاهيم الناس وإفساد فهمهم للشريعة الإسلامية، لذلك يجب دائمًا التحقق من المصادر والأشخاص الذين نتلقى عن طريقهم العلوم الشرعية.

وفي ختام حديثه، أكد الشيخ علي جمعة على ضرورة تحري الدقة والوعي عند اختيار مصادر الدين، داعيًا الجمهور إلى النظر بعناية إلى من يأخذون عنهم الدين، والتحقق من مؤهلاتهم العلمية، وسيرتهم التعليمية، وارتباطهم بالمؤسسات العلمية المعترف بها. وقال نصًا: "انظروا ممن تأخذون دينكم"، في رسالة قوية لجميع المسلمين بأن العلم الشرعي لا يُكتسب من مجرد كلمات جميلة أو عبارات مؤثرة، بل من دراسة دقيقة ومصادر موثوقة.

ويأتي هذا التوضيح في وقت يتزايد فيه الاهتمام بالمعرفة الدينية عبر الإنترنت، مع انتشار فيديوهات ودروس قصيرة يشاركها الكثير من الأشخاص عبر منصات مثل فيسبوك، يوتيوب، وتيك توك، والتي قد تحمل معلومات مغلوطة أو منقوصة إذا لم تكن معتمدة على مصادر علمية موثوقة. وأكد الشيخ علي جمعة أن التعليم الشرعي الحقيقي يحتاج إلى صبر ووقت وجهد، وأنه لا يمكن اختصاره في جملة أو فيديو قصير، مهما كان متقنًا أو جذابًا.

ويشكل حديثه دعوة صريحة لكل المسلمين إلى الرجوع إلى علماء الدين المؤهلين والكتب المعتمدة، ومراعاة منهجية الدراسة المنظمة التي تضمن فهم النصوص الشرعية في سياقها الصحيح، بعيدًا عن التفسيرات العشوائية أو المضللة. ويشير هذا التوجيه إلى أهمية التربية الدينية الواعية للأطفال والشباب، بحيث يُغرس لديهم فهم صحيح للدين، وليس مجرد ممارسة سلوكيات دينية سطحية قد تخلو من الفهم العلمي العميق.

كما شدد الشيخ علي جمعة على أن الوعي الديني الصحيح لا يقتصر على معرفة الأحكام الشرعية، بل يشمل القدرة على التمييز بين الخطاب العلمي والمنهجي والوعظ غير المؤسسي، والتفرقة بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة المنتشرة على المنصات الرقمية. وأشار إلى أن التدين بدون علم صحيح قد يؤدي إلى أخطاء في الفهم والسلوك، وقد يخلق تصورًا خاطئًا عن الدين، مما يبرز أهمية التوازن بين الالتزام العملي والدراسة العلمية العميقة.

ويُعد حديث الشيخ علي جمعة بمثابة إرشاد مهم للمسلمين في العصر الرقمي، حيث أصبح من السهل الوصول إلى أي محتوى ديني، لكنه يحتاج إلى قدرة على التمييز والاعتماد على المصادر الموثوقة. ومن خلال هذه المبادئ، يمكن للمسلم أن يربط بين التدين والسلوك الإيماني وبين العلم الشرعي الصحيح، ويعيش دينه بشكل متكامل يعتمد على فهم صحيح وعمل صالح.

تم نسخ الرابط