ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

سر حب المصريين لآل البيت.. مفتي الجمهورية يكشف الأبعاد الروحية والتاريخية للعلاقة الخاصة

خلف الحدث

جدد الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية الحديث عن سر حب المصريين لآل البيت، مؤكدًا أن هذه العلاقة ليست مجرد ارتباط عاطفي عابر، وإنما هي صلة روحية عميقة متجذرة في وجدان المصريين عبر التاريخ. جاءت تصريحاته خلال لقائه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج «اسأل المفتي» المذاع على قناة صدى البلد، حيث تناول أبعاد هذه المحبة من منظور ديني ونفسي وتاريخي، موضحًا أن المصريين ارتبطوا ببيت النبوة ارتباطًا يتجاوز حدود العاطفة إلى دائرة العقيدة والسلوك.

أوضح مفتي الجمهورية أن حب آل البيت في مصر قائم على الاعتدال، بعيدًا عن مظاهر الغلو أو الشطط، وهو ما يعكس فهمًا صحيحًا لمعنى المحبة في الإسلام. فالمحبة الحقيقية، كما أشار، تقوم على الاقتداء والاتباع والالتزام بالقيم التي جسدها آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في حياتهم، من أخلاق رفيعة، وصبر، وتقوى، وعلم، وعدل. وهذا الاتزان في المشاعر والسلوك يعكس طبيعة الشخصية المصرية التي تميل إلى الوسطية وترفض التطرف في مختلف صور الحياة.

وأكد الدكتور نظير عياد أن شهر رمضان يمثل مناسبة خاصة تتجدد فيها مشاعر القرب من النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، حيث يعيش المجتمع المصري أجواء روحانية مميزة تفتح القلوب لاستحضار سيرة بيت النبوة والتأمل في معانيها. ففي هذا الشهر الكريم، تتعزز الروابط الروحية، وتزداد الرغبة في الاقتداء بالقيم النبوية التي تمثل مصدر نور وهداية للمؤمنين.

وتحدث المفتي عن الطبيعة الإنسانية للشعب المصري، مشيرًا إلى أن المصريين اشتهروا عبر العصور بحسن الاستقبال وكرم الضيافة، خاصة لمن يرون فيهم شرف النسب وعلو المكانة. وآل بيت النبي يمثلون في وجدان المصريين رمز الطهارة والنقاء، فهم وصية من وصايا الرسول الكريم، ومحبتهم جزء من الامتثال لهذه الوصية. لذلك استقبلهم المصريون بمحبة واحترام منذ أن وطأت أقدامهم أرض مصر، واستمرت هذه المشاعر تنتقل من جيل إلى جيل حتى أصبحت جزءًا من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع.

وأشار مفتي الجمهورية إلى البعد النفسي في هذه العلاقة، موضحًا أن المصريين ارتبطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ارتباطًا وجدانيًا عميقًا، ورغبوا دائمًا في الاقتراب من أنواره وآثاره، ومن بينها آل البيت. فالمحبة هنا ليست مجرد تقدير تاريخي، بل هي شعور بالانتماء الروحي والرغبة في الاقتداء بسيرتهم، واستحضار معاني الرحمة والعدل والإحسان التي تميزوا بها.

كما لفت إلى أن الجغرافيا كان لها دور في تعميق هذا الارتباط، حيث شبّه نظرة المصريين إلى آل البيت بنظرتهم إلى نهر النيل، الذي يمثل مصدر حياة وبركة وطهارة. فكما ينظر المصري إلى النيل باعتباره شريان الحياة الذي يمنح الخير والنماء، ينظر أيضًا إلى آل البيت باعتبارهم مصدر نور روحي وهداية أخلاقية. هذا التشبيه يعكس طبيعة الرمز في الوجدان المصري، حيث تمتزج القيم الدينية بالصور الحياتية اليومية.

وأوضح الدكتور نظير عياد أن محبة آل البيت في مصر تجلت عبر مظاهر ثقافية واجتماعية متعددة، مثل الاهتمام بسيرتهم، وإحياء المناسبات الدينية المرتبطة بهم، والحرص على ذكر فضائلهم في المجالس الدينية. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذه المظاهر ينبغي أن تظل منضبطة بضوابط الشريعة، حتى تظل المحبة في إطارها الصحيح الذي يعزز الإيمان ولا يخرجه عن مقاصده.

وبيّن أن كمال الإيمان يرتبط بحسن الفهم والتوازن، فالمسلم مطالب بأن يجمع بين الحب والاتباع، وأن يترجم مشاعره إلى سلوك عملي يعكس القيم التي يحبها. ومن هنا فإن محبة آل البيت ينبغي أن تنعكس في أخلاق الفرد وتعاملاته اليومية، وفي التزامه بقيم الرحمة والعدل والإحسان، وهي القيم التي جسدوها في حياتهم.

وأكد مفتي الجمهورية أن المصريين بطبيعتهم يميلون إلى التدين الفطري المعتدل، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة متوازنة لمحبة آل البيت، تقوم على الاحترام والتقدير دون مبالغة. وهذا الاعتدال جعل هذه المحبة مستمرة ومستقرة عبر القرون، دون أن تتحول إلى مصدر انقسام أو خلاف، بل ظلت عامل وحدة روحية يجتمع حوله الناس.

وأشار إلى أن هذه العلاقة الروحية الخاصة تمثل جزءًا من الذاكرة الجمعية للمجتمع المصري، حيث ارتبطت بأماكن ومقامات ومناسبات شكلت مع الزمن ملامح خاصة للثقافة الدينية في مصر. ومع ذلك، فإن جوهر العلاقة يظل قائمًا على المعنى الروحي العميق، لا على المظاهر الشكلية وحدها.

واختتم الدكتور نظير عياد حديثه بالتأكيد على أن حب آل البيت نعمة إذا كان في إطاره الصحيح، لأنه يقرب المسلم من النبي صلى الله عليه وسلم ويعمق ارتباطه بالقيم التي جاء بها الإسلام. فالمحبة الصادقة، كما أوضح، هي التي تدفع الإنسان إلى الاقتداء والعمل، لا إلى الاكتفاء بالمشاعر المجردة.

بهذا الطرح، يتضح أن سر حب المصريين لآل البيت لا يرجع إلى عامل واحد، بل هو نتاج تفاعل طويل بين الإيمان والعاطفة والتاريخ والجغرافيا، جميعها اجتمعت لتصنع علاقة روحية خاصة متجذرة في وجدان المصريين، تعكس هويتهم الدينية المعتدلة، وتؤكد عمق ارتباطهم ببيت النبوة عبر العصور.

تم نسخ الرابط