مفتي الجمهورية يوضح آلية تحديد قيمة الفدية والزكاة في رمضان وأسس المرونة في الفتوى
أكد الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية أن تحديد قيمة الفدية والزكاة مع بداية شهر رمضان يتم وفق رؤية شرعية دقيقة تراعي تغير الأحوال والظروف الاقتصادية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن الفتوى بطبيعتها تتسم بالمرونة لأنها ترتبط بمقاصد الشريعة ومصالح الناس. وأوضح أن الأحكام الشرعية الثابتة تبقى كما هي، لكن تنزيلها على الواقع يحتاج إلى فهم عميق للزمان والمكان وأحوال المجتمع، وهو ما يجعل عملية تحديد القيمة تخضع لدراسة سنوية متأنية.
وجاءت تصريحات مفتي الجمهورية خلال لقائه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج اسأل المفتي المذاع عبر قناة صدى البلد، حيث تناول قضية تشغل الرأي العام مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، وهي قيمة الفدية وزكاة الفطر، وكيفية تحديدها بما يحقق التوازن بين القدرة المادية للمزكي واحتياجات المستحقين. وأكد أن هذه المسألة لا تُحسم بشكل فردي، بل تتم بالتنسيق مع الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية، في إطار عمل مؤسسي يهدف إلى إصدار فتوى تعبر عن اجتهاد جماعي يراعي النصوص الشرعية والواقع الاقتصادي في آن واحد.
وأشار الدكتور نظير عياد إلى أن الجهات المختصة تحرص على دراسة متوسط أسعار السلع الأساسية في الأسواق، مع الاستعانة بآراء أهل الخبرة من التجار والمتخصصين، حتى تكون القيمة المعلنة معبرة عن الحد الأدنى الذي يحقق المقصد الشرعي من الفدية أو الزكاة. فالغرض ليس مجرد تحديد رقم، وإنما ضمان أن يصل إلى الفقير ما يسد حاجته ويحقق له قدرًا من الكفاية في هذه المناسبة المباركة.
وأوضح أن مسألة إخراج الزكاة أو الفدية في صورة حبوب أو في صورة قيمة مالية هي مسألة خلافية معتبرة في الفقه الإسلامي، وقد قال بها علماء عبر العصور، مؤكدًا أن كلا الرأيين صحيح وله سنده الشرعي. وشدد على أن الخلاف في هذه المسألة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للنزاع أو الاتهام، لأن الأمر في جوهره اجتهادي، ويقوم على تحقيق المصلحة العامة ورفع الحرج عن الناس.
وبيّن مفتي الجمهورية أن مراعاة مقتضى الحال من القواعد الأساسية في الفقه، فقد تكون بعض المجتمعات أو الفئات في حاجة أكبر إلى المال النقدي، نظرًا لالتزامات معيشية متعددة مثل العلاج أو الإيجار أو سداد الديون، بينما قد يكون الإطعام المباشر في حالات أخرى أنسب لتحقيق المقصد. ومن هنا جاءت إجازة إخراج القيمة المالية عند من يرى ذلك من أهل العلم، باعتبار أن العبرة بتحقيق النفع الحقيقي للمستحق.
وأكد أن الشريعة الإسلامية قائمة على التيسير وجلب المصالح، وأن المرونة في الفتوى ليست خروجًا عن الأحكام، بل هي تطبيق لمقاصدها الكبرى. فالأصل في الزكاة والفدية أنهما وسيلة للتكافل الاجتماعي، وإدخال السرور على قلوب الفقراء، وتمكينهم من مواجهة احتياجاتهم الأساسية، خاصة في شهر رمضان الذي تتجلى فيه معاني الرحمة والتضامن بين أفراد المجتمع.
وأوضح أن القيمة التي يتم إعلانها عادة ما تمثل الحد الأدنى الواجب، حتى لا تكون عبئًا على محدودي الدخل، وفي الوقت نفسه تضمن حدًا معقولًا من النفع للمستحقين. وأشار إلى أن من أراد أن يزيد في عطائه فذلك من باب الفضل والإحسان، لأن فضل الله واسع، والأجر يتضاعف في هذا الشهر الكريم، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي قد تضغط على بعض الأسر.
وأضاف الدكتور نظير عياد أن تحديد القيمة يتغير من عام إلى آخر تبعًا لتغير الأسعار والأوضاع الاقتصادية، وهو ما يعكس حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة الواقع دون الإخلال بثوابته. فالتجديد هنا لا يعني تغيير الحكم، وإنما يعني إعادة تقدير الوسيلة بما يتناسب مع المعطيات الجديدة.
وأكد مفتي الجمهورية أهمية نشر الوعي بين الناس حول فلسفة الزكاة والفدية، حتى لا ينحصر الأمر في الجانب الرقمي فقط، بل يمتد إلى إدراك البعد الإنساني والاجتماعي لهذه العبادة. فالزكاة ليست مجرد التزام مالي، وإنما هي تطهير للنفس وتنمية للمجتمع، وتحقيق لمبدأ التكافل الذي يقوم عليه البناء الاجتماعي في الإسلام.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من تحديد القيمة هو مراعاة أحوال المجتمع وضمان وصول الفائدة الحقيقية إلى من يحتاجها، مع الحفاظ على روح الشريعة القائمة على الرحمة والعدل. فكلما تحققت المصلحة وارتفع الحرج، كان ذلك أقرب إلى مقاصد الإسلام في تحقيق الخير للناس.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن شهر رمضان فرصة لتعزيز قيم العطاء والتراحم، وأن إخراج الفدية والزكاة ينبغي أن يكون بنية خالصة، وحرص صادق على مساعدة المحتاجين، سواء تم الإخراج في صورة حبوب أو في صورة قيمة مالية، ما دام ذلك يتم في إطار الرأي الفقهي المعتبر. وبهذا الفهم المتوازن، تتحقق الغاية من هذه الشعائر، ويظل التكافل الاجتماعي حاضرًا بقوة في وجدان المجتمع خلال الشهر الفضيل.