ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ.. رؤية قرآنية متكاملة لقيمة الرجل والمرأة في بناء الأسرة

خلف الحدث

أكد حسن عبد الحميد أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات العليا بالأزهر الشريف أن الآيات التي تناولت تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة في سورة النساء تمثل نموذجًا متكاملًا للتشريع الإلهي الذي يجمع بين الدقة في الأحكام والرحمة في المقاصد موضحًا أن السياق القرآني في هذه السورة لا يقتصر على عرض أحكام الزواج بصورة مباشرة بل يقدم منظومة متكاملة لحماية الأسرة وضبط العلاقات داخل المجتمع على أساس من العدل والتكامل وتحمل المسؤولية

وأوضح أن سورة النساء تبدأ ببيان المحرمات من النساء وتفصيل الأحكام المرتبطة بالزواج ثم تنتقل إلى الحديث عن الإرادة الإلهية تجاه الإنسان وهو انتقال يعكس ترابطًا دقيقًا بين الحكم الشرعي والمقصد الرباني فالتشريع في القرآن لا ينفصل عن الغاية بل يأتي دائمًا مرتبطًا بهدف إصلاح الإنسان وتوجيهه نحو ما يصلح حياته في الدنيا والآخرة

وأشار خلال حديثه في برنامج نورانيات قرآنية المذاع عبر قناة صدى البلد إلى أن القرآن الكريم يجيب بوضوح عن سؤال محوري وهو ماذا يريد الله من عباده مستشهدًا بقوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم مؤكدًا أن الإرادة الإلهية تقوم على البيان الذي يزيل الغموض والهداية التي ترسم الطريق الصحيح والتوبة التي تفتح باب الأمل لكل من أخطأ وهو ما يعكس سعة رحمة الله وعدله في آن واحد

وأضاف أن من الآيات الجامعة في هذا السياق قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وكذلك قوله يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا مشيرًا إلى أن هذه النصوص تؤكد أن التشريع الإسلامي قائم على التيسير ورفع الحرج وأن الله سبحانه وتعالى يعلم طبيعة الإنسان وضعفه فجاءت الأحكام متناسبة مع قدرته ومبنية على مراعاة أحواله وظروفه

وفي تفسيره لقوله تعالى الرجال قوامون على النساء شدد على ضرورة فهم الآية في إطارها الشامل بعيدًا عن القراءات المجتزأة أو الأحكام المسبقة مؤكدًا أن القوامة لا تعني تسلطًا أو استعلاءً وإنما هي تكليف للرجل بالقيام بمسؤوليات محددة تجاه المرأة داخل الأسرة فالقوامة تعني تحمل أعباء النفقة وتوفير المسكن والرعاية والحماية والإدارة الحكيمة لشؤون الأسرة بما يحقق الاستقرار والطمأنينة

وأوضح أن لفظ الرجال ولفظ النساء جاء بصيغة العموم ليشمل جميع صور العلاقات داخل الإطار الأسري فالرجل قد يكون أبًا أو زوجًا أو أخًا أو ابنًا والمرأة قد تكون أمًا أو زوجة أو أختًا أو بنتًا ومن ثم فإن القوامة شبكة من المسؤوليات المتبادلة وليست علاقة أحادية الاتجاه تقوم على فرض الإرادة أو إلغاء دور الطرف الآخر

وبيّن أن معنى قوّام في اللغة هو كثير القيام على الشيء أي المواظب على رعايته والاهتمام به وهو ما يعكس طبيعة التكليف الملقى على عاتق الرجل فالقوامة في جوهرها التزام دائم لا موقف عابر وهي مسؤولية أخلاقية واجتماعية قبل أن تكون التزامًا قانونيًا أو إداريًا

وأكد أن القرآن الكريم حين يقرر القوامة فإنه في الوقت ذاته يقر للمرأة حقوقًا واضحة وصريحة في النفقة والكرامة وحسن المعاملة ويجعل الإحسان إليها من صميم التقوى وهو ما يعكس توازنًا دقيقًا بين الحقوق والواجبات ويؤكد أن العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام قائمة على العدل والتكامل لا على التمييز أو الإقصاء

وأشار إلى أن كثيرًا من الإشكالات المعاصرة حول مفهوم القوامة ترجع إلى الخلط بين النص القرآني والممارسات الخاطئة لبعض الأفراد فالإسلام لا يجيز الظلم ولا يقر الإهانة ولا يقبل الاعتداء على الكرامة الإنسانية بل يجعل المودة والرحمة أساس العلاقة الزوجية كما نصت آيات أخرى على ذلك

وأوضح أن سورة النساء تعد من أكثر السور عناية بتنظيم العلاقات الاجتماعية وحماية الفئات الأضعف داخل المجتمع كالنساء واليتامى وهو ما يدل على أن المنهج القرآني يسعى إلى إقامة مجتمع متوازن يحفظ الحقوق ويمنع التعدي ويضبط العلاقات على أساس من المسؤولية المشتركة

وأضاف أن توزيع الأدوار داخل الأسرة وفق المفهوم القرآني لا يعني تفاضلًا مطلقًا وإنما يعني مراعاة الفطرة والقدرات فالرجال والنساء متساوون في الكرامة الإنسانية والتكليف الشرعي وكل منهما يحمل مسؤوليات تتناسب مع تكوينه وطبيعته بما يحقق مصلحة الأسرة واستقرارها

وأكد أن قراءة الآيات في ضوء المقاصد العامة للشريعة تكشف عن انسجام كامل بين النص وروح العدالة فالقرآن حين يكلف الرجل بالإنفاق والرعاية يحمّله عبئًا حقيقيًا وحين يقرر للمرأة حقوقًا مالية ومعنوية فإنه يصون استقلالها ويضمن لها حياة كريمة داخل الإطار الأسري

واختتم بالتأكيد على أن فهم قوله تعالى الرجال قوامون على النساء ينبغي أن ينطلق من إدراك أن القوامة مسؤولية ورعاية وليست امتيازًا أو سلطة مطلقة وأن العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام علاقة تكامل وتعاون لتحقيق السكن والمودة والرحمة وأن العودة إلى الفهم الصحيح للنصوص كفيلة بتصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة وإبراز الصورة الحقيقية للتشريع القرآني الذي جاء لصيانة الإنسان رجلاً كان أو امرأة وبناء أسرة مستقرة تكون نواة لمجتمع متماسك يقوم على العدل والرحمة وتحمل المسؤولية المشتركة

تم نسخ الرابط