المفتي: غياب القوامة يُسبب المشكلات الأسرية والطلاق السريع.. رؤية شرعية لضبط استقرار البيت المسلم
أكد فضيلة الدكتور ، مفتي الجمهورية، أن مفهوم القوامة في الإسلام لا يقتصر على كونه لقبًا أو صفة شكلية تُمنح للرجل داخل الأسرة، بل هو مسؤولية شرعية وأخلاقية متكاملة، تقوم على الرعاية والاحتواء وحماية البيت وفق تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن غياب الفهم الصحيح للقوامة أصبح سببًا رئيسيًا في تصاعد المشكلات الأسرية وحالات الطلاق السريع في المجتمع المعاصر.
وجاءت تصريحات مفتي الجمهورية خلال لقائه مع الإعلامي في برنامج "اسأل المفتي" المذاع على قناة ، حيث تناول الحديث أبعاد القوامة من منظور شرعي واجتماعي، موضحًا أن الإسلام حين أقر هذا المبدأ لم يقصده تسلطًا أو استبدادًا، وإنما حمّل الرجل مسؤولية القيادة القائمة على الحكمة والعدل والرحمة.
القوامة مسؤولية قبل أن تكون سلطة
أوضح الدكتور نظير عياد أن القوامة في جوهرها شعور داخلي بالمسؤولية تجاه الأسرة، فهي تعني أن يكون الرجل راعيًا لشؤون بيته، حريصًا على استقراره، ساعيًا إلى تلبية احتياجاته المادية والمعنوية، مستلهمًا في ذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهل بيته.
وأكد أن اختزال القوامة في مجرد سلطة أو تحكم يُفرغها من مضمونها الشرعي، ويحوّلها إلى أداة صراع بدلاً من أن تكون وسيلة استقرار. فالقوامة، كما بيّن، ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما تكليف يقتضي الوعي، والقدرة على اتخاذ القرار السليم، وتحمل تبعاته.
غياب الفهم الصحيح وأثره على الطلاق السريع
أشار مفتي الجمهورية إلى أن كثيرًا من المشكلات الأسرية المعاصرة، بما فيها حالات الطلاق التي تحدث في وقت قصير من الزواج، تعود إلى غياب الفهم المتوازن لدور كل من الرجل والمرأة داخل الأسرة.
وأوضح أن بعض الأزواج يتعاملون مع القوامة باعتبارها تفوقًا مطلقًا، في حين يرفضها البعض الآخر بدعوى المساواة دون إدراك للفروق التكاملية بين الأدوار، مما يؤدي إلى اضطراب في إدارة شؤون المنزل، وصدامات متكررة تنتهي أحيانًا بانفصال سريع.
وشدد على أن القوامة تتطلب وعيًا حقيقيًا بطبيعة الدور الذي يقوم به الرجل، مقابل دور المرأة، في إطار من التكامل لا التنازع، ومن التعاون لا التصادم، بما يحقق التوازن المطلوب داخل الأسرة.
الكرم وضبط الإنفاق من أركان القوامة
لفت الدكتور نظير عياد إلى أن القوامة لا تنفصل عن الكرم والإنفاق المسؤول، مؤكدًا أن الرجل مطالب بالإنفاق على أسرته في حدود إمكاناته المادية، دون إسراف أو تبذير، ودون بخل أو تقصير.
وأوضح أن الكرم ليس ترفًا، بل قيمة أخلاقية تعزز الاحترام المتبادل داخل الأسرة، وتشعر الزوجة والأبناء بالأمان والاستقرار، مشيرًا إلى أن الاعتدال في الإنفاق يعكس حكمة القوامة، ويمنع كثيرًا من الخلافات المتعلقة بالجوانب المالية.
وأضاف أن الإسلام لم يُحمّل الرجل مسؤولية الإنفاق عبثًا، بل ربطها بالقوامة باعتبارها جزءًا من منظومة متكاملة تقوم على الرعاية، والاحتواء، وحسن الإدارة.
حديث "أم زرع" نموذج عملي للقوامة
استشهد مفتي الجمهورية بالأحاديث النبوية، ومن بينها حديث "أم زرع"، الذي يبرز كيف كانت صفات القوامة تتجلى في المروءة والكرم والحكمة في إدارة شؤون الزوجية، موضحًا أن هذا الحديث يقدم صورة عملية لزوج جمع بين حسن المعاملة، وسعة الصدر، والإنفاق الكريم.
وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أقر معاني هذا الحديث، كان يؤكد أهمية المروءة والرفق في الحياة الزوجية، وأن القوامة لا تستقيم إلا إذا اقترنت بحسن الخلق، والتواضع، والتشاور، واحترام مشاعر الزوجة.
القوامة بين التشريع والتطبيق
أكد الدكتور نظير عياد أن النصوص الشرعية وضعت إطارًا واضحًا للقوامة، لكن التطبيق العملي هو الذي يحدد مدى نجاحها أو فشلها داخل الأسرة. فحين تُمارس القوامة بروح المسؤولية والرحمة، تتحول إلى مصدر دفء وأمان، أما إذا غابت أو أسيء فهمها، فإنها تتحول إلى سبب توتر وانقسام.
وأشار إلى أن اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة بيته، من حيث العدل بين الزوجات، ومراعاة المشاعر، والمشاركة في شؤون الحياة اليومية، يضمن للأسرة استمراريتها، ويحصّنها من الانهيار السريع.
دعوة لإعادة بناء الوعي الأسري
اختتم مفتي الجمهورية حديثه بدعوة إلى إعادة بناء الوعي بمفهوم القوامة، من خلال التربية السليمة، والتثقيف الشرعي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، مؤكدًا أن الأسرة هي نواة المجتمع، وأن استقرارها ينعكس على استقرار الوطن بأسره.
وشدد على أن القوامة ليست شعارًا يُرفع، بل سلوك يُمارس، وأن نجاحها مرهون بمدى التزام الرجل بروح المسؤولية، والتزام المرأة بروح التعاون، في إطار من الاحترام المتبادل والتكامل، بما يحقق المقصد الأسمى للزواج، وهو السكن والمودة والرحمة.