من هو مصطفى رياض فقيد الكرة المصرية؟
فقدت كرة القدم المصرية أحد أعمدتها التاريخيين برحيل الكابتن مصطفى رياض، نجم الترسانة والمنتخب الوطني في حقبتي الستينات والسبعينات، عن عمر ناهز 85 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والأرقام التي رسخت اسمه كواحد من أعظم المهاجمين في تاريخ اللعبة بمصر.
لم يكن مصطفى رياض مجرد هداف بارع، بل كان رمزًا لجيل ذهبي صنع أمجاد الكرة المصرية في فترة اتسمت بقوة المنافسة وشراسة الصراع الكروي محليًا وقاريًا. وبفضل أهدافه الحاسمة وأدائه الراقي، ظل اسمه محفورًا في ذاكرة الجماهير، خاصة بعدما أصبح الهداف التاريخي لمصر في الألعاب الأولمبية.
النشأة والبدايات
وُلد مصطفى رياض في 5 أبريل عام 1941 بحي بولاق أبو العلا، أحد الأحياء الشعبية العريقة في القاهرة، حيث نشأ وسط أجواء كروية مبكرة. وكان لشقيقه محمد، لاعب الترسانة آنذاك، دور كبير في توجيهه نحو النادي، ليبدأ رحلته مع كرة القدم داخل جدران القلعة الزرقاء في أوائل الخمسينات.
سرعان ما لفت الأنظار بموهبته الفطرية وحسه التهديفي العالي، ليشق طريقه نحو الفريق الأول، ويبدأ في كتابة فصل جديد من تاريخ نادي الترسانة، الذي كان يعيش آنذاك واحدة من أزهى فتراته.
انطلاقة التوهج في الدوري
سطع نجم مصطفى رياض بقوة خلال موسم 1961 – 1962، عندما تمكن من إنهاء الدوري في صدارة ترتيب الهدافين برصيد 20 هدفًا، في إنجاز لافت أكد ميلاد مهاجم استثنائي. ولم يكن ذلك مجرد موسم عابر، بل بداية مرحلة من التألق المستمر.
وفي موسم 1962 – 1963، ساهم بشكل مباشر في تتويج الترسانة بلقب الدوري بعد دورة رباعية مثيرة جمعت بين الترسانة وكل من الزمالك والأهلي والقناة، ليؤكد أن أهدافه لم تكن مجرد أرقام، بل كانت حاسمة في صناعة البطولات.
وواصل مصطفى رياض تألقه في موسم 1963 – 1964، حين تصدر قائمة هدافي الدوري للمرة الثانية في مسيرته، برصيد 26 هدفًا، في إنجاز يعكس ثبات مستواه وقدرته على الاستمرارية في القمة.
إنجازات الكأس وأهداف لا تُنسى
لم تقتصر إنجازات الراحل على بطولة الدوري فقط، بل امتدت إلى بطولة كأس مصر، حيث ساهم في فوز الترسانة بلقب موسم 1964 – 1965 على حساب السويس بنتيجة 4 – 1، وأحرز في المباراة النهائية ثنائية أكدت قيمته الكبيرة في المواجهات الكبرى.
كما أضاف لقبًا جديدًا في نسخة 1966 – 1967، في مواجهة فريق الأوليمبي، ليواصل حصد البطولات ويعزز مكانته كأحد أعمدة الترسانة في تلك الحقبة.
وخلال مسيرته في الدوري، سجل مصطفى رياض 122 هدفًا بقميص الترسانة، ليحتل المركز الخامس في قائمة هدافي المسابقة عبر تاريخها. ويتصدر القائمة زميل رحلته في النادي والمنتخب، الأسطورة حسن الشاذلي، برصيد 173 هدفًا، في ثنائية هجومية شكلت علامة فارقة في تاريخ الكرة المصرية.
مسيرة دولية مميزة
انضم مصطفى رياض إلى صفوف المنتخب الوطني في أوائل الستينات، وشارك في العديد من المحافل القارية والدولية. وكان له دور بارز في بلوغ المنتخب نهائي كأس الأمم الأفريقية 1962 في إثيوبيا، حيث قدم أداءً مميزًا ساهم في وصول الفراعنة إلى المباراة النهائية.
لكن الإنجاز الأبرز في مسيرته الدولية جاء خلال مشاركته في أولمبياد طوكيو 1964، حيث قدم واحدة من أعظم البطولات الفردية في تاريخ الكرة المصرية.
أسطورة طوكيو والرقم الخالد
في دورة طوكيو الأولمبية عام 1964، تألق مصطفى رياض بشكل استثنائي، وقاد المنتخب المصري إلى بلوغ المربع الذهبي، بعدما أحرز 8 أهداف كاملة في البطولة، بينها سداسية تاريخية في مرمى كوريا الجنوبية، ليصبح الهداف التاريخي لمصر في الألعاب الأولمبية، في إنجاز لا يزال صامدًا حتى اليوم.
ذلك الإنجاز لم يكن مجرد رقم، بل كان شهادة دولية على جودة اللاعب المصري وقدرته على المنافسة في أكبر المحافل العالمية. وقد نال رياض إشادة واسعة آنذاك من وسائل الإعلام الدولية، التي سلطت الضوء على موهبته الفذة وحسه التهديفي النادر.
الاعتزال والإرث الخالد
استمر مصطفى رياض في الملاعب حتى عام 1977، قبل أن يعلن اعتزاله بعد مسيرة امتدت لأكثر من عقدين، حافلة بالألقاب والإنجازات والأهداف التي شكلت جزءًا مهمًا من تاريخ الكرة المصرية.
وبعد اعتزاله، ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الجماهير، ليس فقط كهداف بارع، بل كنموذج للاعب الملتزم أخلاقيًا وفنيًا، الذي جمع بين الموهبة والانضباط والروح الرياضية.
إرث لا يُنسى
برحيل مصطفى رياض، تفقد الكرة المصرية واحدًا من رموزها الكبار، الذين صنعوا أمجادًا ستظل محفورة في السجلات. فقد كان جزءًا من جيل ذهبي رفع اسم مصر عاليًا في المحافل الدولية، وأسهم في تتويج الترسانة بألقاب خالدة.
سيظل اسمه مرتبطًا بأولمبياد طوكيو، وبأهدافه الثمانية التي صنعت مجدًا أولمبيًا نادرًا، كما سيبقى رقمه التهديفي في الدوري شاهدًا على عبقريته الهجومية.
رحل مصطفى رياض جسدًا، لكن إرثه الكروي سيبقى حيًا في ذاكرة الأجيال، كأحد أعظم من ارتدوا قميص الترسانة والمنتخب الوطني، وكأسطورة ستظل حاضرة كلما ذُكر تاريخ الهدافين الكبار في مصر.