المفتي يوضح حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة فيديوهات للمتوفي
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، أن حكم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة فيديو لشخص متوفى يتوقف بالأساس على الغاية أو الهدف أو المقصد من إنتاج هذا المحتوى، موضحًا أن المسألة ليست مرتبطة بالأداة ذاتها بقدر ما ترتبط بكيفية توظيفها والنية الكامنة وراء استخدامها.
وجاءت تصريحات مفتي الجمهورية خلال لقائه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج "اسأل المفتي" المذاع على قناة "صدى البلد"، حيث تلقى سؤالًا حول مدى جواز استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعادة إظهار شخص متوفى في مقطع فيديو، سواء بصورته أو بصوته، في ظل التطور التكنولوجي الكبير الذي بات يتيح محاكاة دقيقة لملامح الأشخاص وأصواتهم.
وأوضح المفتي أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهو أصل شرعي مستقر، فلا يُحكم على أمر بالتحريم إلا إذا وُجد ما ينقله عن هذا الأصل إلى دائرة المنع أو الكراهة. وقال إن استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته لا يُعد محرمًا، لكن الحكم يتغير تبعًا للمقصد والآثار المترتبة على الفعل.
وبيّن أن الأمر إذا كان يهدف إلى استدعاء الألم والحزن بشكل دائم، أو كان يؤدي إلى انغماس الإنسان في دائرة الفقد بصورة تُخرجه من التوازن النفسي، فإن ذلك يكون غير جائز، خاصة إذا أصبح الشخص أسيرًا لذكريات مصطنعة تجدد الحزن وتؤدي إلى حالة من فقدان الأمل أو الانغلاق على الماضي. وأشار إلى أن هذا النوع من الاستخدام قد يكون مكروهًا، ولا ضرورة له شرعًا، لما يترتب عليه من أضرار نفسية ومعنوية.
وأضاف أن المسألة قد تدخل في دائرة المحظور الشرعي إذا كان القصد منها إظهار القدرة على الخلق أو الإيجاد أو المحاكاة بصورة توهم بالتعدي على اختصاص الخالق سبحانه وتعالى، أو إذا صاحبها نوع من الادعاء أو التضليل الذي يوقع الناس في اللبس، مؤكدًا أن أي توظيف للتقنية يوهم بإحياء الميت أو إعادة وجوده بصورة حقيقية يدخل في باب الاعتداء المعنوي، وهو ما لا يقره الشرع.
وشدد المفتي على أن هناك فرقًا بين استخدام التقنية باعتبارها وسيلة للتذكير واستحضار الذكريات الطيبة، وبين استخدامها على نحو يوقع في الغلو أو المبالغة أو يفتح بابًا للانحراف العقدي أو النفسي. فالشرع يراعي المقاصد، ويزن الأمور بميزان الحكمة والمصلحة.
وفي المقابل، أكد الدكتور نظير عياد أنه إذا كان الهدف من صناعة هذا النوع من الفيديوهات هو التذكر، وسماع الدعاء، والترحم على المتوفى، واستحضار كلماته الطيبة التي كانت تعين أهله وأحباءه على مواجهة الصعاب والشدائد، فلا حرج في ذلك. واعتبر أن استدعاء المواقف الطيبة والذكريات الحسنة، إذا كان في إطار منضبط، قد يسهم في تعزيز قيم الوفاء، ويذكّر الأحياء بسيرة حسنة تدفعهم إلى الاقتداء والعمل الصالح.
وأشار إلى أن الضابط الأساسي في هذه المسألة هو النية والمقصد، فإذا كان العمل قائمًا على البر والوفاء، وخاليًا من أي شبهة اعتداء أو تضليل أو مبالغة، فإنه يبقى في دائرة المباح. أما إذا انحرف المقصد أو ترتبت عليه آثار سلبية واضحة، فإن الحكم يتغير تبعًا لذلك.
وأوضح أن الشريعة الإسلامية تعاملت عبر تاريخها مع المستجدات وفق قواعد عامة، من أبرزها قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة"، وقاعدة "الأمور بمقاصدها"، وهو ما ينطبق على القضايا المعاصرة المرتبطة بالتقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي. فالتقنية في ذاتها ليست محل تجريم أو تحريم، وإنما توجيهها هو الذي يحدد الحكم الشرعي.
كما لفت إلى ضرورة مراعاة مشاعر أسرة المتوفى وخصوصيته، وعدم استخدام صورته أو صوته في سياقات قد تمس كرامته أو تُخرجه في صورة لا تليق به، لأن حرمة الإنسان بعد وفاته كحرمته في حياته، والاعتداء على صورته أو سمعته يدخل في دائرة الإثم.
وأكد المفتي أن التعامل الرشيد مع التقنيات الحديثة يتطلب وعيًا أخلاقيًا ودينيًا، بحيث تُستخدم فيما ينفع الناس، ويحقق مقاصد طيبة، ويخلو من الأذى أو الاستغلال أو الإضرار بالآخرين. وأشار إلى أن التطور التكنولوجي ينبغي أن يكون خادمًا للقيم، لا سببًا في تآكلها أو تجاوزها.
واختتم الدكتور نظير عياد حديثه بالتأكيد على أن الحكم في مثل هذه المسائل ليس حكمًا جامدًا مطلقًا، بل هو حكم منضبط بالمقصد والنتيجة، فإذا كان الهدف من صناعة فيديو للمتوفى هو التذكر والترحم واستحضار المعاني الطيبة دون مبالغة أو ادعاء أو ضرر، فلا حرج فيه شرعًا، أما إذا كان يؤدي إلى استدامة الحزن، أو يتضمن محاكاة توهم بالخلق أو الإحياء، أو يحمل في طياته اعتداءً معنويًا، فإنه يكون غير جائز.
وبذلك يتضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يظل في دائرة المباح ما دام منضبطًا بالنية الحسنة والضوابط الشرعية، وأن الميزان الحاكم في هذه المسألة هو المقصد، وما يترتب على الفعل من آثار نفسية ودينية واجتماعية.