هل كان الركوع والسجود موجودين قبل الإسلام؟.. الدكتور علي جمعة يوضح
أجاب الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، على تساؤل حول ما إذا كانت حركات الصلاة، مثل الركوع والسجود، موجودة في الديانات الأخرى قبل الإسلام، مؤكدًا أن هذه الحركات التعبدية لم تكن حكرًا على الشريعة الإسلامية، بل عُرفت في الشرائع السابقة، وإن اختلفت في بعض تفاصيلها وترتيبها.
وجاء ذلك خلال تقديمه برنامج «اعرف دينك» المذاع على قناة صدى البلد، حيث تلقى سؤالًا من إحدى المتابعات تسأل فيه عن جذور الركوع والسجود، وهل هما من خصوصيات الصلاة في الإسلام أم أن لهما امتدادًا تاريخيًا في العبادات السابقة.
وأوضح الدكتور علي جمعة أن أغلب حركات الصلاة المعروفة في الإسلام كانت موجودة من قبل، مستشهدًا بقول الله تعالى في سورة آل عمران: «يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ»، معتبرًا أن هذه الآية الكريمة تمثل دلالة واضحة على وجود الركوع والسجود في العبادة قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها كانت جزءًا من منظومة التعبد في الشرائع السابقة.
وأشار إلى أن مفهوم السجود تحديدًا يُعد من أقدم صور الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى، وهو تعبير جسدي عن أقصى درجات الانكسار بين يدي الخالق، موضحًا أن السجود لم يكن مجرد حركة بدنية، بل كان رمزًا لمعنى روحي عميق يعكس التواضع الكامل لله تعالى.
وأضاف أن بعض الديانات السابقة كانت تمارس السجود قبل الركوع، أو ربما قدمت إحدى الحركتين على الأخرى، مؤكدًا أن هذا الاختلاف في الترتيب لا يمس جوهر العبادة، لأن الأصل هو تحقق معنى الخضوع والتقرب إلى الله، أما تفاصيل الأداء فقد تختلف من شريعة إلى أخرى وفق ما يريده الله تعالى لكل أمة.
وبيّن عضو هيئة كبار العلماء أن وحدة الأصل في العبادات بين الشرائع السماوية تؤكد أن الرسالات جميعها صدرت عن مصدر واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، وأن الاختلافات التي قد تظهر في بعض التفاصيل إنما تعكس خصوصية كل شريعة وظروف كل أمة. ولفت إلى أن الإسلام جاء متممًا لما سبقه من الشرائع، ومصححًا لما طرأ عليها، ومؤكدًا على جوهر التوحيد والعبادة الخالصة لله.
وفي سياق حديثه عن حركات الصلاة، تطرق الدكتور علي جمعة إلى مسألة النهي عن النظر إلى السماء أثناء الصلاة، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، لأن رفع البصر إلى السماء أو التطلع إلى المساحات الواسعة، مثل البحر أو الصحراء، قد يؤدي إلى تشتت الذهن وفقدان التركيز. وأكد أن الصلاة في الإسلام تقوم على حضور القلب والخشوع، وأن المطلوب من المصلي أن يتأمل ويتدبر ما يقوله من آيات وأذكار، لا أن ينشغل ببصره أو ذهنه عن المعاني التي يتلوها.
وأشار إلى أن النظر إلى السماء قد يفتح بابًا للتأمل المجرد الذي يبتعد عن مقصود الصلاة، لأن التأمل المطلوب في العبادة هو تدبر الكلمات والمعاني، واستحضار عظمة الله في القلب، وليس الانشغال بالمشاهد الخارجية. ولفت إلى أن الشريعة راعت طبيعة النفس البشرية، ووضعت ضوابط تساعد المصلي على تحقيق أقصى درجات التركيز والخشوع.
وأكد أن الإسلام حين أقر الركوع والسجود، إنما أقرهما باعتبارهما تعبيرًا عمليًا عن العقيدة، حيث ينحني الإنسان في الركوع اعترافًا بعظمة الله، ثم يضع أشرف ما فيه – وهو الوجه – على الأرض في السجود، إعلانًا للخضوع الكامل. وهذه الرمزية العميقة لا تتغير بتغير الأزمنة، لأنها مرتبطة بطبيعة العلاقة بين العبد وربه.
كما أوضح أن دراسة أوجه التشابه بين العبادات في الديانات السماوية المختلفة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تقليلًا من خصوصية الشريعة الإسلامية، بل هي تأكيد على وحدة المصدر الإلهي، وأن الرسالات جميعها جاءت لهداية البشر إلى عبادة الله وحده، وإن اختلفت في بعض التفصيلات التنظيمية.
وشدد على أن المسلم حين يعلم أن الركوع والسجود كانا موجودين في الشرائع السابقة، يزداد يقينًا بأن الإسلام امتداد طبيعي لسلسلة من الرسالات الإلهية، وأنه لم يأت منقطعًا عما قبله، بل جاء في سياق تاريخي وديني متصل، يعزز معاني الإيمان بوحدة الأنبياء ووحدة دعوتهم.
واختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن الأهم من معرفة تاريخ الحركات التعبدية هو استحضار معناها في القلب أثناء أدائها، لأن جوهر الصلاة ليس في شكلها الظاهري فقط، بل في ما تحدثه من أثر داخلي ينعكس على سلوك الإنسان وأخلاقه. فالركوع والسجود، وإن كانا معروفين قبل الإسلام، إلا أن قيمتهما الحقيقية تتجدد في كل صلاة يؤديها المسلم بخشوع وإخلاص، مستشعرًا عظمة من يقف بين يديه.