ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

من أضواء الإسكندرية إلى هدوء أثينا.. رحلة الفنانة كيتي فوتساكي

خلف الحدث

في صباح هادئ من فبراير، أغمضت الفنانة كيتي فوتساكي عينيها للمرة الأخيرة في منزلها بالعاصمة اليونانية أثينا، عن عمر ناهز 96 عامًا، تاركة خلفها حكاية فنية تعود إلى زمن كانت فيه السينما المصرية تُغنّي وترقص وتضحك من القلب.

لم تكن كيتي مجرد راقصة استعراضية ظهرت في أفلام الأبيض والأسود، بل كانت واحدة من وجوه مرحلة كاملة، مرحلة كان فيها الاستعراض جزءًا من روح الفيلم، ومن ملامح البهجة التي صنعت وجدان جمهور الأربعينيات والخمسينيات.

طفلة من الإسكندرية… بنت مدينة لا تنام

وُلدت كيتي عام 1927 في مدينة الإسكندرية، لأسرة من أصول يونانية، في زمن كانت فيه المدينة عاصمة للتنوع الثقافي، تختلط فيها اللغات واللهجات والملامح. كبرت في أحياء تطل على البحر، وفي أجواء أوروبية شرقية صنعت مزيجًا انعكس لاحقًا على حضورها المختلف فوق المسرح.

منذ صغرها، انجذبت إلى الرقص والموسيقى. لم يكن الاستعراض بالنسبة لها مجرد مهنة، بل شغفًا مبكرًا قادها إلى خشبة المسرح، حيث بدأت تخطو أولى خطواتها أمام جمهور حيّ، يتفاعل مع كل حركة وإيماءة.

عندما فتحت السينما أبوابها

في زمن ازدهار السينما المصرية، كانت شركات الإنتاج تبحث عن الوجوه القادرة على إضافة جرعة من البهجة إلى الأفلام الغنائية والكوميدية. وجدت كيتي مكانها الطبيعي هناك، وانتقلت من خشبة المسرح إلى شاشة السينما.

جاءت لحظة التحول الأبرز في مسيرتها عندما شاركت في فيلم
عفريتة إسماعيل ياسين
أمام نجم الكوميديا الكبير إسماعيل ياسين.

في هذا العمل، لم تكن مجرد راقصة عابرة، بل حضورًا حيويًا أضفى على الفيلم طاقة استعراضية محببة، وجعل اسمها يرتبط في ذاكرة الجمهور بذلك العمل الذي ما زال يُعرض حتى اليوم.

وتوالت مشاركاتها في أفلام عدة، منها:

  • أبو زيد الهلالي
  • الغيرة
  • المرأة
  • أخلاق للبيع
  • يلا في الهوا سوا
  • ليلة الحنة

كانت تظهر غالبًا في المشاهد الغنائية، بابتسامة واثقة وحركة خفيفة، تمثل روح تلك المرحلة التي كانت ترى في الفن مساحة للفرح.

خطوة إلى الخلف… ثم صمت طويل

في عام 1965، ظهرت للمرة الأخيرة على شاشة السينما من خلال فيلم
العقل والمال،
قبل أن تبدأ رحلة انسحاب هادئة من الأضواء.

لم تدخل في صراعات، ولم تسعَ للعودة عبر مقابلات أو تصريحات مثيرة. اختارت طريقًا مختلفًا: العودة إلى جذورها، والاستقرار في اليونان. هناك، في أثينا، عاشت حياة بعيدة عن صخب الكاميرات، قريبة من العائلة، من تفاصيل الحياة اليومية، ومن هدوء لم تعرفه في سنوات الشهرة.

إنسانة قبل أن تكون فنانة

رغم قلة ظهورها الإعلامي، ظل اسم كيتي يتردد كلما أُعيد عرض أفلام الزمن الجميل. لم تكن من نجمات الصف الأول، لكنها كانت من الأسماء التي تكمل الصورة، وتمنح المشهد حيويته.

عاشت سنواتها الأخيرة بين أبنائها وأحفادها، بعيدة عن الأضواء التي صنعت شهرتها يومًا. وحين رحلت في 27 فبراير 2026، قيل إنها توفيت بهدوء أثناء نومها، كما لو أنها اختارت أن يكون وداعها بسيطًا، بلا ضجيج، تمامًا كما كانت حياتها في سنواتها الأخيرة.

إرث من زمن لا يتكرر

تنتمي كيتي فوتساكي إلى جيل من الفنانات الاستعراضيات اللاتي ساهمن في تشكيل هوية السينما المصرية في مرحلة مفصلية. كان الاستعراض وقتها عنصرًا دراميًا وجماليًا، وكانت الراقصة جزءًا من البناء الفني لا مجرد إضافة عابرة.

برحيلها، يفقد أرشيف السينما اسمًا من أسماء ذلك الزمن الذي كان يؤمن بأن الفن بهجة، وأن الشاشة يمكن أن تكون مساحة للضحك والغناء والحلم.

الوداع الأخير

من الإسكندرية التي شهدت ميلادها، إلى أثينا التي شهدت رحيلها، امتدت رحلة كيتي فوتساكي قرابة قرن من الزمن. رحلة بدأت برقصة صغيرة على مسرح، وانتهت بذكرى كبيرة في ذاكرة السينما.

تبقى صورها في أفلام الأبيض والأسود، تتحرك بخفة، وتبتسم كما لو أن الزمن لم يمضِ… وكأن الفن، حين يكون صادقًا، لا يشيخ أبدًا.

تم نسخ الرابط