«احذري الإلحاح».. مفتي الجمهورية يضع روشتة نبوية لحياة زوجية مستقرة وسعيدة
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية، أن العدالة تمثل الركيزة الأساسية في بناء حياة زوجية مستقرة، مشيرًا إلى أن سيرة النبي محمد ﷺ تقدم نموذجًا عمليًا متكاملًا للعدل والإنصاف داخل الأسرة، وهو ما انعكس بوضوح في تعامله مع زوجاته وأهل بيته، حيث أرسى قواعد أخلاقية وقانونية حافظت على تماسك البيت النبوي واستمراريته.
وأوضح المفتي، خلال لقائه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج «اسأل المفتي» المذاع على قناة صدى البلد، أن النبي ﷺ كان حريصًا أشد الحرص على تحقيق المساواة الكاملة بين زوجاته، سواء في المبيت أو النفقة أو حتى في توزيع الاهتمام والمشاعر الظاهرة، مؤكدًا أن هذا العدل لم يكن مجرد سلوك فردي، بل التزامًا دينيًا وأخلاقيًا يعكس وعيًا عميقًا بالمسؤولية الأسرية.
وأشار الدكتور نظير عياد إلى أن جبريل عليه السلام وجّه النبي ﷺ إلى تطبيق مبدأ العدل في أدق التفاصيل، حتى في التعاملات اليومية داخل البيت، ما يؤكد أن استقرار الأسرة لا يتحقق إلا من خلال الإنصاف الدقيق، والحرص على عدم تفضيل طرف على آخر بغير حق. وأوضح أن النبي ﷺ كان يقسم نظره واهتمامه بين زوجاته بالسوية، وحتى أثناء السفر كان يحرص على إجراء القرعة بينهن، حتى لا يشعر أحد بالتمييز أو الإقصاء، وهو ما يعكس حسًا عاليًا بالعدالة والشفافية.
وفي سياق حديثه عن استقرار الحياة الزوجية، وجّه المفتي نصيحة مباشرة للزوجات، محذرًا من الإلحاح الزائد أو تكرار الأسئلة بصورة مفرطة، لما قد يسببه ذلك من توتر داخل العلاقة الزوجية. وأكد أن الزوجة الصالحة هي التي تدرك طبيعة شريك حياتها، وتختار التوقيت المناسب للحوار، وتسعى إلى تهدئة المواقف بدلًا من تصعيدها، لأن الحفاظ على استقرار البيت مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا وحكمة.
وأضاف أن كثيرًا من النساء قد لا ينتبهن إلى المنهج النبوي في إدارة الخلافات الأسرية، حيث كان النبي ﷺ يتعامل برفق ولين، ويعالج المشكلات بالحكمة دون انفعال أو قسوة، ما يجعل بيته نموذجًا يُحتذى به في إدارة العلاقات الزوجية. وأكد أن العدالة النبوية لم تكن مجرد توزيع مادي للحقوق، بل شملت أيضًا البعد النفسي والعاطفي، من خلال احترام مشاعر الزوجات وتقدير احتياجاتهن.
وأوضح المفتي أن مفهوم العدل داخل الأسرة يتجاوز المساواة الشكلية، ليصل إلى تحقيق الطمأنينة النفسية لكل طرف، لأن الظلم — ولو كان بسيطًا — قد يترك أثرًا عميقًا في النفوس. ومن هنا، كان التزام النبي ﷺ بالعدل ضمانة لحماية البيت من النزاعات والانقسامات، كما أنه يمثل قاعدة أخلاقية راسخة في التشريع الإسلامي.
كما شدد على أن الحياة الزوجية الناجحة لا تقوم على الحقوق فقط، بل على أداء الواجبات أيضًا، وأن على الزوجين إدراك أن العلاقة بينهما ميثاق غليظ يقوم على الرحمة والمودة. وأشار إلى أن الإلحاح المتكرر أو إثارة القضايا بشكل مستمر قد يؤدي إلى إرهاق العلاقة، بينما الحكمة والرفق يسهمان في احتواء الخلافات قبل تفاقمها.
وبيّن الدكتور نظير عياد أن العدالة التي جسدها النبي ﷺ داخل بيته هي جزء من منظومة أخلاقية متكاملة، تمثل ما يمكن تسميته «الدستور الأخلاقي» للأسرة المسلمة، حيث تُحفظ الحقوق، وتُصان الكرامة، ويُراعى البعد النفسي والاجتماعي لكل فرد. وهذه القاعدة، بحسب المفتي، هي التي حافظت على تماسك الأسرة النبوية رغم تعدد الزوجات واختلاف الطباع.
وأكد أن الالتزام بالعدل لا يحمي الأسرة في الدنيا فقط، بل يجعل الإنسان في مأمن من الظلم يوم القيامة، لأن الله تعالى أمر بإقامة العدل في كل شيء، بدءًا من الأسرة وصولًا إلى المجتمع والدولة. ومن هنا، فإن تطبيق هذا المبدأ في الحياة اليومية يعكس صدق الالتزام بشرع الله وحرص الإنسان على سلامة دينه ودنياه.
واختتم مفتي الديار المصرية حديثه بالتأكيد على أن الاقتداء بالنبي ﷺ في عدله ورحمته هو الطريق الأمثل لبناء أسر مستقرة ومجتمعات متماسكة، داعيًا الأزواج والزوجات إلى استحضار هذا النموذج النبوي في تعاملاتهم اليومية، وتجنب السلوكيات التي قد تهدد الاستقرار، وعلى رأسها الإلحاح المفرط وسوء الظن، مشددًا على أن الرفق والعدل هما مفتاح السعادة الزوجية الحقيقية.