النيابة في مرافعتها: أطفال بين أم مقتولة وأب يواجه القصاص.. كواليس جريمة هزت الوراق
في مرافعةٍ اتشحت بالسواد واستدعت مشاهد الألم الإنساني، قال أحمد سعيد مرعي، وكيل نيابة شمال الجيزة، أمام هيئة المحكمة: «إن كان دم “منى عبد الله” قد جف، فدموع أبنائها (محمد وحمزة وحبيبة) نهرٌ لا يكف.
انظروا إلى جناية هذا الأب الذي يتمهم صغارًا، وأورثهم العار والانكسار.
ما ذنب أولئك الأطفال ليُحرموا من أمٍ ماتت قتلاً، وأبٍ استحق القتل عدلاً؟ لقد غلَّب أنانيته، وهدم بيتهم بيده، تاركًا إياهم في مهب الريح بلا سند، يواجهون رعبًا لا يمحوه الزمان، ومصيرًا حالكًا في كل مكان.
يا له من أبٍ ضحى بفلذاته، فاستحق اللعنة والحرمان».
بهذه الكلمات استكمل أحمد سعيد مرعي وكيل نيابة شمال الجيزة مرافعته أمام محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار هاني لويس، وعضوية المستشارين أحمد حسن وأحمد دعبس، وبأمانة سر أشرف صلاح، في قضية اتهام زوج بقتل زوجته داخل مسكن الزوجية بدائرة قسم الوراق.
اعتراف المتهم.. “درة التاج”
وأكدت النيابة أن الأدلة القولية في الدعوى جاءت «كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا»، مستهلةً عرضها بإقرار المتهم الذي وصفته بأنه «درة التاج والقول الفصل الذي يقطع دابر الشبهات».
وأوضحت أن المتهم أقر بتحقيقات النيابة، طواعية واختيارًا، بأنه وعلى إثر خلافات زوجية متجذرة ومتكررة، زيَّن له سوء عمله التخلص من زوجته. وما إن اختلى بها داخل المسكن حتى عاجلها بتقييد يديها مستخدمًا «أفيزًا» بلاستيكيًا، قائلًا في التحقيقات: «قمت بتكتيف إيديها بالأفيز عشان أسيطر عليها وما تقاومنيش».
وأضاف أنه انهال عليها ضربًا بالحزام والمفك والعصا الخشبية، موجهًا ضربات متلاحقة إلى أنحاء جسدها، وقرر: «مسكت الحزام والمفك والعصاية ونزلت فيها ضرب في كل حتة في جسمها»، مضيفًا: «فضلت أضربها لحد ما قطعت النفس»، في إقرار صريح بقصده إزهاق روحها.
شهادات الشهود

ولم يقف الدليل عند اعتراف المتهم، بل تعاضد مع أقوال شهود الإثبات.
فقد شهدت والدة المتهم، فريال سعيد، بأنها تلقت اتصالًا هاتفيًا من نجلها يخبرها بوفاة زوجته، فتوجهت إلى مسكنه لتجد المجني عليها مسجاةً غارقة في دمائها.
كما قرر والد المتهم، عوض صبري الليثي، أنه شاهد الجثمان مثخنًا بالإصابات، مشيرًا إلى أن نجله اعتاد التعدي عليها وتعاطي المواد المخدرة.
وأكد الجار، تامر عبد اللطيف السيد، سماعه صراخًا داخل العقار، ورؤيته المتهم يخرج في حالة اضطراب، بينما شهدت كل من مني طايع حسن ووليد أحمد صابر بوقائع متطابقة، وأضاف الأخير أنه أغلق أبواب العقار لمنع المتهم من الفرار وأبلغ الشرطة.
التحريات والدليل الفني
وأثبتت تحريات النقيب مهند أيمن زاهر، معاون مباحث الوراق، أن خلافات زوجية متكررة دفعت المتهم إلى عقد العزم وبيت النية على إزهاق روح زوجته، فأعد أدوات الاعتداء (أفيز بلاستيكي – حزام جلدي – مفك حديدي – عصا خشبية)، واستدرجها إلى داخل المسكن، وقيدها، ثم تعدى عليها بالضرب المبرح حتى فارقت الحياة.
كما تم ضبط الأدوات المستخدمة داخل مسرح الجريمة، وأقر المتهم تفصيلًا بارتكاب الواقعة.
وجاء تقرير الصفة التشريحية قاطعًا، إذ أثبت وجود إصابات رضية حيوية متعددة، وآثار تقييد باليدين، وتطابقها مع الأدوات المضبوطة، مع عزو الوفاة إلى ما أحدثته تلك الإصابات من صدمة ونزيف أفضيا إلى الوفاة.
وأظهرت التحاليل المعملية تعاطي المتهم مواد مخدرة، شملت الحشيش والترامادول والأمفيتامين.
أدلة الدعوى وأمر الإحالة
وأشارت النيابة إلى أن اعترافات المتهم، وأقوال الشهود، والتحريات، وتقرير الطب الشرعي، جاءت جميعها متسقة في تصوير الواقعة وكيفية حدوثها، بما يثبت ارتكاب المتهم للجريمة عمدًا مع سبق الإصرار.
وكان المستشار أمير فتحي، المحامي العام، قد أحال المتهم، 40 عامًا، عامل بمطعم ومقيم بعزبة المفتي – الوراق، إلى محكمة الجنايات، لاتهامه بقتل زوجته عمدًا مع سبق الإصرار، وإحراز أدوات استُخدمت في الاعتداء دون مسوغ قانوني.
واختتمت النيابة مرافعتها بالتأكيد على أن الجريمة لم تكن وليدة لحظة غضب عابرة، وإنما نتيجة إصرار وتصميم مسبق، مطالبةً بتوقيع أقصى عقوبة مقررة قانونًا على المتهم.
