عزت إبراهيم يكتب: هل هزمت "المسيرة" الرخيصة "الصاروخ الاعتراضي" باهظ الثمن..؟
تكشف التقارير الصادرة خلال الأيام الأولى من الحرب عن أن دول الخليج دخلت سباقا عاجلا لإعادة بناء مخزونها من الصواريخ الاعتراضية بعد موجات الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت عسكرية وبنية تحتية حيوية في المنطقة. فقد نقلت صحيفة Financial Times عن مسؤولين خليجيين أن عددا من العواصم طلب بشكل عاجل إمدادات إضافية من صواريخ منظومات الدفاع الجوي الأمريكية مثل باتريوت وثاد، بعدما استُخدم عدد كبير منها لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية التي أطلقت منذ بداية المواجهة. هذا التطور يعكس حقيقة أن منظومات الدفاع الجوي المتقدمة تعتمد على مخزون محدود نسبيا من الذخائر، وأن استمرار العمليات لفترة طويلة يفرض ضغطا شديدا على هذه المخزونات.
تشير تقديرات عسكرية نشرتها Reuters وBloomberg إلى أن الهجمات الإيرانية اعتمدت تكتيك الإطلاق الكثيف والمتزامن للصواريخ والطائرات المسيرة بهدف إرباك الدفاعات الجوية وإجبارها على إطلاق عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية في وقت قصير. هذا التكتيك يندرج ضمن ما يسمى في الأدبيات العسكرية بحرب الإغراق الصاروخي، حيث يصبح الهدف ليس فقط إصابة الأهداف بل أيضا استنزاف الموارد الدفاعية لدى الخصم. وتظهر البيانات الأولية أن معظم الصواريخ الإيرانية جرى اعتراضها، لكن عملية الاعتراض نفسها استهلكت كميات كبيرة من الذخائر الدفاعية.
أحد أهم عناصر هذه المعادلة يتمثل في الفارق الكبير بين تكلفة السلاح الهجومي والسلاح الدفاعي. فبحسب تحليل نشره Center for Strategic and International Studies في واشنطن، قد تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي في منظومة باتريوت إلى ثلاثة أو أربعة ملايين دولار، بينما لا تتجاوز تكلفة بعض الطائرات المسيرة الإيرانية عدة آلاف من الدولارات. هذه الفجوة الهائلة في التكلفة تمنح إيران ميزة اقتصادية في حرب الاستنزاف، لأن كل عملية اعتراض ناجحة قد تكلف الطرف المدافع أضعاف ما أنفقه الطرف المهاجم.
الضغط على مخزونات الصواريخ الاعتراضية لا يقتصر على الخليج وحده، بل يمتد إلى الولايات المتحدة نفسها. فقد أشارت وثائق الميزانية الدفاعية الأمريكية التي حللتها Washington Post إلى أن الجيش الأمريكي كان يمتلك قبل الحرب أقل من أربعة آلاف صاروخ اعتراض من مختلف الأنواع، بما يشمل الصواريخ المخصصة لاعتراض الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى وكذلك الأنظمة الأكثر تعقيدا المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي. هذه الأرقام تعطي مؤشرا على أن الإنتاج الدفاعي الأمريكي لم يكن مصمما أصلا لمواجهة عدة حروب عالية الكثافة في وقت واحد.
تعقيد الموقف يزداد بسبب الضغوط السابقة على المخزون الدفاعي الأمريكي نتيجة الحرب في أوكرانيا. فقد ذكرت New York Times وReuters أن واشنطن نقلت خلال السنوات الأخيرة مئات الصواريخ الاعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي إلى كييف لمساعدتها في مواجهة الهجمات الروسية. هذا الدعم العسكري أدى بالفعل إلى تقليص جزء من المخزون الأمريكي قبل اندلاع المواجهة الحالية في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الحذر النسبي في وتيرة إعادة التزويد لبعض الحلفاء.
من جهة أخرى، تؤكد تقارير عسكرية نقلتها Associated Press أن إنتاج الصواريخ الاعتراضية المتقدمة ليس عملية سريعة. فالصواريخ المستخدمة في منظومة ثاد، المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، تحتاج إلى عمليات تصنيع واختبار معقدة قد تستغرق عدة أشهر لكل دفعة إنتاج. هذا يعني أن تعويض الصواريخ التي تُستخدم في المعارك لا يمكن أن يتم بسرعة، خصوصا إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة طويلة.
في هذا السياق، بدأت دول الخليج تنظر إلى الحرب الحالية باعتبارها اختبارا حقيقيا لنظام التحالف الأمني مع الولايات المتحدة. فقد نقلت Financial Times عن محللين في المنطقة أن بعض العواصم الخليجية تتابع باهتمام سرعة تزويد إسرائيل بالذخائر الدفاعية مقارنة بسرعة تزويدها هي نفسها. هذا الانطباع يعكس حساسية سياسية في المنطقة، لأن عددا من القواعد العسكرية الأمريكية الكبرى يقع بالفعل في دول الخليج.
إسرائيل في المقابل تمتلك منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تشمل القبة الحديدية ومقلاع داود ونظام آرو، إضافة إلى الدعم المباشر من القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة. وقد أشارت تقارير Reuters إلى أن وجود حاملة الطائرات الأمريكية USS Gerald Ford عزز قدرة الدفاع الجوي الإسرائيلي، إذ تحمل الحاملة أنظمة صاروخية متقدمة وطائرات مقاتلة قادرة على اعتراض بعض الصواريخ قبل وصولها إلى المجال الجوي الإسرائيلي.
الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية لا تعتمد على الدفاع الجوي وحده، بل تجمع بين الدفاع والهجوم الوقائي في الوقت نفسه. فقد أوضح الجنرال الأمريكي المتقاعد فرانك ماكنزي في ندوة نظمها معهد JINSA في واشنطن أن الهدف هو تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية ومخازنها ومراكز القيادة والسيطرة في أسرع وقت ممكن. هذه الاستراتيجية تعرف في العقيدة العسكرية باسم استهداف الرامي، أي ضرب منصة الإطلاق فور كشف موقعها أثناء إطلاق الصاروخ.
البيانات العسكرية التي نقلتها Bloomberg وReuters تشير إلى أن القوات الأمريكية والإسرائيلية نفذت خلال الأيام الأولى من الحرب آلاف الضربات الجوية ضد أهداف داخل إيران. وقد اقترب عدد الأهداف التي جرى ضربها من أربعة آلاف هدف وفق التصريحات العسكرية، وهو رقم يعكس كثافة العمليات الجوية الجارية وسرعة التصعيد العسكري في الأيام الأولى من المواجهة.
على الرغم من هذا الحجم الكبير من الضربات، لا تزال إيران قادرة على إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة بوتيرة ملحوظة. وقد أشار تحليل نشرته Financial Times إلى أن البنية الصاروخية الإيرانية موزعة جغرافيا على نطاق واسع، ما يجعل القضاء عليها بالكامل في وقت قصير أمرا صعبا. كما أن جزءا كبيرا من منصات الإطلاق متنقل ويمكن إخفاؤه بسهولة نسبية.
تستند الاستراتيجية الإيرانية في هذا المجال إلى سنوات طويلة من الاستثمار في الصواريخ والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. وقد أوضح تقرير لمركز International Institute for Strategic Studies أن إيران ركزت على إنتاج أعداد كبيرة من هذه الأسلحة لتعويض الفارق التكنولوجي بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو نموذج مشابه إلى حد ما للتكتيكات التي استخدمتها روسيا في الحرب الأوكرانية.
تشير تقديرات نشرتها Wall Street Journal إلى أن إيران قد تمتلك آلاف الطائرات المسيرة من طراز شاهد وأنواع أخرى مشابهة. هذه الطائرات تستخدم عادة في هجمات جماعية يمكن أن تربك الدفاعات الجوية حتى لو لم تكن جميعها قادرة على إصابة أهدافها بدقة. في هذه الحالة يصبح الهدف الاستراتيجي هو استنزاف الدفاعات وليس تحقيق إصابات مباشرة فقط.
لهذا السبب بدأت بعض دول الخليج تبحث عن حلول تكنولوجية جديدة تقلل من تكلفة الدفاع الجوي. فقد ذكرت Reuters أن الإمارات ناقشت مع شركائها إمكانية إدخال أنظمة اعتراض بالليزر قيد التطوير، وهي تقنية تعتمد على الطاقة لإسقاط الطائرات المسيرة بدلا من الصواريخ الاعتراضية التقليدية. هذه الأنظمة قد تقلل تكلفة الاعتراض بشكل كبير إذا دخلت الخدمة الفعلية.
مع ذلك لا تزال هذه الأنظمة في مراحل التطوير أو الاختبار، ولذلك ستظل الصواريخ الاعتراضية التقليدية العمود الفقري للدفاع الجوي في المستقبل القريب. هذا يعني أن القدرة الصناعية على إنتاج هذه الصواريخ أصبحت فجأة عاملا استراتيجيا حاسما في الحرب. وقد أشار تحليل نشره CSIS إلى أن الصناعات الدفاعية الغربية تحتاج إلى زيادة كبيرة في الإنتاج لمواكبة متطلبات الحروب الحديثة.
التجربة التي ظهرت في الحرب الأوكرانية ثم في الحرب الحالية في الشرق الأوسط تشير إلى أن استهلاك الذخائر في الحروب الحديثة أعلى بكثير مما كانت تفترضه الخطط العسكرية التقليدية. فقد نقلت Washington Post عن مسؤولين في البنتاغون أن وتيرة استخدام الصواريخ الاعتراضية في بعض العمليات الأخيرة كانت أكبر من التوقعات العسكرية السابقة.
هذا الواقع دفع عددا من الخبراء العسكريين إلى التحذير من أن الدفاع الجوي وحده لا يمكن أن يكون الحل النهائي. فحتى أكثر الأنظمة تطورا لا تستطيع اعتراض كل المقذوفات إذا كانت الأعداد كبيرة بما يكفي. لذلك فإن الاستراتيجية الحالية تركز على الجمع بين الدفاع الجوي والهجوم الوقائي ضد منصات الإطلاق.
المعادلة التي ستحدد مسار الحرب في نهاية المطاف ترتبط بتوازن بسيط لكنه حاسم بين القدرة الهجومية والقدرة الدفاعية. فالسؤال الأساسي ليس فقط كم صاروخا يمكن لإيران إطلاقه، بل أيضا كم صاروخ اعتراض يمكن للولايات المتحدة وحلفائها إنتاجه وتوفيره في الوقت المناسب. هذه المعادلة الاقتصادية أصبحت أحد أهم عناصر التوازن العسكري في الحرب الحالية.
التطورات الأخيرة دفعت أيضا بعض صناع القرار في واشنطن إلى إعادة النظر في السياسة الصناعية الدفاعية الأمريكية. فقد أشار تحليل نشرته Foreign Affairs إلى أن الولايات المتحدة خفضت إنتاج الذخائر بشكل كبير بعد نهاية الحرب الباردة، وهو ما يجعل إعادة توسيع الإنتاج اليوم عملية معقدة تحتاج إلى استثمارات كبيرة.
تكشف الحرب الجارية في الخليج عن تحول مهم في طبيعة الصراعات العسكرية المعاصرة. التفوق العسكري لم يعد يقاس فقط بجودة التكنولوجيا أو دقة الأسلحة، بل أيضا بقدرة الدول على إنتاج كميات كبيرة من الذخائر وتحمل حرب استنزاف طويلة. التقارير الصادرة عن Financial Times وReuters وBloomberg وWashington Post تشير جميعها إلى أن هذا العامل الصناعي قد يصبح أحد أهم العوامل التي تحدد مسار الحرب ونتائجها في المرحلة المقبلة.