حيثيات سجن محام المنيا 5 سنوات: استغل توكيل موكلته وتسبب في حبسها
«المحاماة ليست مجرد مهنة، بل رسالة سامية قوامها الأمانة وغايتها نصرة الحق».. بهذه الكلمات الحاسمة افتتحت محكمة جنايات مستأنف المنيا حيثيات حكمها في قضية هزّت الوسط القانوني، بعدما كشفت التحقيقات عن استغلال محامٍ لصفته المهنية وثقة موكلته في توكيل رسمي، ليحوّل الأداة التي يفترض أن تحميها إلى وسيلة للإضرار بها، مستعينًا بالغش والتدليس حتى استحصل على حكم بحبسها، في واقعة اعتبرتها المحكمة خيانة صريحة للأمانة واعتداءً صارخًا على شرف المهنة
قالت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة القاضي طه عبد الله عبد العظيم وعضوية القاضيين مصطفى ربيع و محمد محمود حلمي بحضور حسن محمود وكيل النيابة بأمانة سر محمود شعبان، أنها بعد سماع طلبات النيابة العامة والمستأنف، ومطالعة الأوراق، وسماع المرافعة الشفوية، والمداولة قانوناً، فإنه من المقرر قانوناً: «يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تحيل إلى الحكم المطعون فيه في بيان الوقائع المستوجبة للعقوبة وفي بيان النصوص الواجبة التطبيق، سواء كان حكمها بتأييد الحكم المطعون فيه أو بإلغائه أو تعديله».
ولما كان ذلك، وكانت الواقعة المستوجبة للعقوبة والنصوص الواجبة التطبيق سبق وأن أحاط بها الحكم المطعون فيه، ومن ثم تأخذ به المحكمة في هذا الشأن وتحيل إليه تفادياً للتكرار، وإن كانت توجزها بالقدر اللازم لحمل قضاء هذا الحكم على أسبابه، في أن النيابة العامة أسندت للمتهم: عبد الرحمن حسين عبد الكريم، لأنه وآخرين سبق محاكمتهم في غضون عام ٢٠٢٣ بدائرة مركز ملوي، محافظة المنيا.
المتهمون جميعاً:
١- وهم ليسوا من أرباب الوظائف العمومية، اشتركوا بطريق المساعدة مع موظف عام حسن النية، هو أمين الشرطة المختص بتحرير المحاضر بقسم شرطة قصر النيل / مصطفى أبو اليزيد، في ارتكاب تزوير في محررات رسمية، وهي محضر الجنحة رقم ٦٥٧٠ لسنة ٢٠٢١ جنح قصر النيل، وذلك بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمهم بتزويرها، بأن قام الثالث بإملاء المذكور بيانات المحضر سالف البيان، وأثبت على خلاف الحقيقة أن المتهمة / أميرة ماهر قد قامت باختلاس المبلغ النقدي المبين بإيصال الأمانة سند هذه الجنحة والمسلم إليها من المجني عليه عبد الحميد حمدي، على خلاف الحقيقة، ووقع على ذلك، فقام الموظف المذكور بإثبات تلك البيانات في المحضر سالف البيان، وقيد بذلك الرقم القضائي وإثباته في الدفاتر المعدة لذلك، فوقعت الجريمة بناءً على تلك المساعدة.
٢- وهم ليسوا من أرباب الوظائف العمومية، اشتركوا بطريق المساعدة مع موظف عام حسن النية، هو سكرتير جلسة الجنح بنيابة قصر النيل، في ارتكاب تزوير في محررات رسمية هي محاضر جلسات الجنحة موضوع التهمة الأولى حال نظرها أمام المحكمة المختصة، وذلك بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها حال تحريرها من المختص بوظيفته، وذلك بأن مثل المتهم الثاني أمام المحكمة في تلك الجنح مقدماً أصل التوكيل والذي أمده المتهم الأول محرراً من المجني عليها فيها، مدعياً على خلاف الحقيقة – على الرغم من إلغاء وكالته عنها – وقيامه مع آخر حسن النية بطلب أجل للاطلاع، فقام الموظف سالف الذكر بإثبات ذلك بمحضر الجلسة، فوقعت الجريمة بناءً على تلك المساعدة.
٣- وهم ليسوا من أرباب الوظائف العمومية، اشتركوا بطريق المساعدة مع موظفين عموميين حسني النية، وهم سكرتارية التنفيذ بنيابة قصر النيل، بارتكاب تزوير في محررات رسمية هي تقارير الطعن في الجنحة موضوع التهمة الأولى، وذلك بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمهم بتزويرها حال تحريرها من المختص بوظيفته، بأن أمد الثاني ذلك الموظف ببيانات القضية السالفة وأصل التوكيل سند الجنحة – رغم علمه بإلغائه – وقرر كوكيل عن المتهمة في الجنحة على خلاف الحقيقة بالطعن على هذه الأحكام الصادرة، فقام الموظفون سالفو الذكر بإثبات ذلك بتقارير طعن هذه الجنحة، فوقعت الجريمة بناءً على ذلك الاتفاق وتلك المساعدة.
٤- استعملوا المحررات الرسمية المزورة موضوع الاتهامات السابقة رغم علمهم بتزويرها، بأن قدمت الجنحة موضوع التهمة الأولى للمحكمة المختصة رغم علمهم بتزويرها وتزوير إيصال الأمانة موضوعها.
٥- اشتركوا وآخر مجهول بطريق الاتفاق والمساعدة في تزوير محررات عرفية وهو إيصال الأمانة موضوع الاتهام في الجنحة رقم ٦٧٥ لسنة ٢٠٢١ جنح قصر النيل، وذلك بطريق الاصطناع، بأن أمدوا ذلك المجهول ببيانات المتهمة والمجني عليه، فقام ذلك المجهول بتحرير بيانات ذلك الإيصال على غرار الصحيح وضمنها على خلاف الحقيقة بأن المتهمة قد تسلمت المبلغ المبين بذلك الإيصال على سبيل الأمانة من المجني عليه فيها، ومهره بتوقيع عزوه زوراً للمتهمة في هذا الإيصال، واستعملوه بأن قدموه أمام الموظف المختص بتحرير المحاضر بقسم شرطة قصر النيل وأمام المحكمة المختصة حال نظر الجنحة السالفة في القضايا موضوع التهمة السالفة المحررة ضد / أميرة ماهر أحمد عبد العظيم بوقائع لو صحت لاستوجب عقابها قانوناً واحتقارها عند أهل وطنها.
وطلبت معاقبته بالمواد ٣٠٥، ٣٠٣، ٢١٥، ٢١٤، ٢١٣، ٤٢، ١/٤١، ٤٠ من قانون العقوبات.
وحيث إن محكمة أول درجة نظرت تلك الجناية، وبجلسة ٢٠٢٥/١١/١٢ قضت حضورياً بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات وإلزامه بالمصروفات الجنائية عملاً بمواد الاتهام الواردة بأمر الإحالة.
وحيث لم يلق هذا الحكم قبولاً لدى المحكوم عليه، فطعن عليه بطريق الاستئناف عملاً بالمادتين ٤١٩ مكرر، ٤١٩ مكرر (١/٤) من قانون الإجراءات الجنائية والمضافة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤، بموجب تقرير استئناف أودع قلم كتاب المحكمة بتاريخ ٢٠٢٥/١١/١٥.
وحيث مثل المستأنف بجلسة المحاكمة ودفاعه أمام هذه المحكمة، والنيابة العامة طلبت تأييد الحكم المستأنف، وسمعت المرافعة في الأوجه التي يستند إليها المستأنف، والحاضر مع المستأنف استند في دفاعه إلى ما سبق أن أبداه من دفوع أمام محكمة أول درجة، وانتهى إلى طلب القضاء ببراءة المستأنف، ودفع بعدم تحريك الدعوى الجنائية بالطريق الذي رسمه القانون قبل المحامي وفقاً لنص المادة ٥٠ من قانون المحاماة، أو استعمال الرأفة، وقدم عدة حوافظ مستندات طالعتها المحكمة وألمت بما احتوته، وذلك على نحو ما هو مبين بمحضر الجلسة.
وحيث استوفى الاستئناف الشكل المقرر قانوناً نزولاً على المادتين ٤١٩ مكرر، ٤١٩ مكرر (١/٤) من قانون الإجراءات الجنائية والمضافة بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤، فمن ثم يكون مقبولاً شكلاً.
وحيث دفع الحاضر عن المتهم ببطلان إجراءات الإحالة تأسيساً على أن المتهم محامٍ، وأن ما اتخذ حياله من إجراءات يخالف نص المادة (٥٠) من قانون المحاماة، بزعم عدم صدور الإحالة من السلطة المختصة، فإن هذا الدفع مردود عليه ولا ينهض على سند صحيح من الواقع أو القانون.
ذلك أن المادة (٥٠) من قانون المحاماة رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ قد نصت صراحة على أنه:
«لا يجوز إحالة المحامي إلى المحاكمة الجنائية في جريمة وقعت منه أثناء وبسبب تأدية أعمال مهنته إلا بأمر من النائب العام أو من يفوضه من المحامين العامين الأول على الأقل».
أولاً: ثبوت صدور الإحالة من السلطة المختصة قانوناً.
ومن ثم فإن الإحالة قد صدرت ممن يملكها قانوناً، مستوفية الشكل الذي تطلبه المشرع، قائمة على صحيح الإجراءات، فلا بطلان ولا فساد.
وحيث عن الدفع بالإخلال بحق الدفاع بتحقيقات النيابة العامة، ولما كانت التحقيقات لم تباشر إلا بعد مراعاة الصفة المهنية للمتهم، وتمت في إطار قانوني سليم دون مساس بحق الدفاع أو إهدار لأي ضمانة مقررة للمحامي، الأمر الذي تنتفي معه مظنة التعسف أو الإجراء المعيب.
ولما كانت الغاية من المادة (٥٠) تحققت ولا محل للتوسع في تفسيرها، ولما كان القيد الوارد بالمادة (٥٠) إنما شرع لضمان الجدية في تحريك الدعوى الجنائية ضد المحامي وليس لإقامة حصانة تحول دون مساءلته عن الجرائم التي تمس الثقة العامة، وكانت تلك الغاية قد تحققت فعلاً بصدور الإحالة من محامٍ عام أول مختص، فإن التمسك بالبطلان بعد ذلك يكون مجانباً لصحيح القانون ومجرداً من سنده.
المحكمة: المحاماة رسالة لا مطية للتحايل.. والسجن لمحامٍ خان الأمانة
والمحكمة تؤكد أن مهنة المحاماة، كما استقر في ضمير العدالة ونص عليه الدستور والقانون، ليست مجرد حرفة أو وسيلة للكسب، وإنما رسالة سامية قوامها الصدق وأساسها الأمانة وغايتها نصرة الحق وإعلاء سيادة القانون، وهي بذلك شريكة للسلطة القضائية في تحقيق العدالة.
وحيث إن المحامي، وقد اختصه المشرع بثقة خاصة ومنحه صلاحيات استثنائية، إنما افترض فيه النزاهة والاستقامة، وافترض أن يكون أميناً على حقوق موكليه، حارساً لأسرارهم، وناصحاً لا غادراً، ومدافعاً لا متربصاً، فإن خان هذه الثقة وانحرف عن جادة الشرف سقطت عنه قدسية الرسالة وتحولت الأداة المشروعة إلى وسيلة إجرامية تستوجب العقاب.
وحيث ثبت للمحكمة على وجه الجزم واليقين أن المتهم – وهو محامٍ – قد استغل صفته المهنية واستباح ما أودع لديه من ثقة مستخدماً التوكيل الصادر له من موكلته استخداماً منافياً لغايته ومجاوزاً حدود الأمانة، متوسلاً بالغش والتدليس قاصداً الإضرار بموكلته ومستحصلاً بذلك على حكم بالحبس ضد من كان واجبه الأول حمايتها.
وحيث إن ما أتاه المتهم لا يعد مجرد خطأ مهني أو زلة تقدير، بل يمثل خيانة صريحة للأمانة واعتداءً صارخاً على شرف المهنة وانحداراً أخلاقياً يبلغ حد الجريمة الجنائية المكتملة الأركان.
وحيث إن المحكمة تقرر أن خيانة الأمانة متى اقترنت بصفة المحامي فإنها تكون أشد وقعاً وأعظم خطراً، لأن الجريمة لا تقف عند حد الإضرار بالمجني عليه فحسب بل تمتد آثارها إلى زعزعة الثقة في العدالة ذاتها.
وحيث إن الردع في مثل هذه الجرائم لا يكون رحيماً ولا العقاب يكون شكلياً، إذ إن التساهل مع من خانوا الرسالة هو تشجيع ضمني على العبث بالحقوق وتقويض لهيبة القانون.
وقد استقر قضاء أنه متى تحققت الغاية التي استهدفها المشرع من الإجراء فلا محل للقول بالبطلان.
وإذ التزمت النيابة العامة نص المادة (٥٠) من قانون المحاماة التزاماً دقيقاً، وصدر أمر الإحالة من الجهة التي خولها القانون هذا الاختصاص، فإن الدفع ببطلان الإحالة يكون غير قائم على أساس صحيح متعيناً رفضه.
وحيث إنه عما نعاه المستأنف بأسباب استئنافه ودفوعه ومرافعته، فإن الثابت أن الحكم المستأنف قد بين واقعة الدعوى على نحو واضح وحصلها على نحو سليم بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان المستأنف بها.
وحيثما كان ما تقدم، وكان من المقرر أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها، بل يكفي أن تحيل عليها.
وحيث إنه عن إنكار المحكوم عليه بجلسات المحاكمة وما أثاره من دفوع موضوعية أخرى فإن المحكمة لا تعتد به ولا تعول عليه لأنه لا يعدو أن يكون وسيلة دفاع بقصد الإفلات من العقاب.
ومن ثم تطمئن المحكمة إلى تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها محمولاً على أسبابه، الأمر الذي يتعين معه الحكم في موضوع الاستئناف برفضه وتأييد الحكم المستأنف، وذلك إعمالاً لنص المادة ٤١٧/٣ من قانون الإجراءات الجنائية.
وحيث عن المصاريف الجنائية فالمحكمة تلزم بها المستأنف عملاً بالمواد ٣١٣، ٣١٤ من قانون الإجراءات الجنائية المعدل والمضاف بالقانون رقم ١ لسنة ٢٠٢٤.
فلهذه الأسباب بعد الاطلاع على المواد سالفة الذكحكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بقبول الاستئناف شكلاً.
ثانياً: وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف وإلزامه المصاريف الجنائية.
- محام يزور إيصال أمانة
- حكم سجن محام في المنيا
- تزوير محررات رسمية
- خيانة الأمانة في مهنة المحاماة
- استغلال توكيل موكلة
- حكم جنايات مستأنف المنيا
- السجن المشدد لمحام
- قضية تزوير إيصال أمانة
- استغلال الصفة المهنية
- أحكام القضاء المصري
- محام يحصل على حكم بحبس موكلته
- جرائم التزوير في المحررات الرسمية
- النيابة العامة
- النائب العام
- الدستور
- خيانة
- محكمه الاستئناف
- قانون العقوبات
- تزوير
- قانون المحاماة
- الدستور والقانون
- محافظة المنيا
- طلبات النيابة العامة
- قصر النيل
- قسم شرطة قصر النيل
- محكمة جنايات مستأنف

