الصيام عند الأمم السابقة: رؤية دينية وفق توضيحات الدكتور أحمد عصام فرحات
في إطار البرامج الدينية التي تقدم التوعية والتثقيف الإسلامي خلال شهر رمضان، أوضح الدكتور أحمد عصام فرحات، إمام وخطيب مسجد السيدة زينب، أن الصيام لم يكن اختراعًا جديدًا في الإسلام، بل كان موجودًا في الأمم السابقة، وذلك ردًا على سؤال أحد الأطفال خلال حلقة برنامج «اقرأ وربك الأكرم» المذاع على قناة صدى البلد.
وأشار فرحات إلى أن القرآن الكريم يوضح هذه الحقيقة في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، مؤكدًا أن الصيام عبادة أقرها الله للأمم السابقة، وأن الهدف منه واحد، وهو تقوى الله والتقرب إليه. وأوضح فرحات أن صيام الأمم السابقة قد اختلف في قدره وطريقته عن الصيام الحالي الذي فرض على المسلمين، موضحًا أن الأنبياء عليهم السلام قد اتبعوا أنماطًا مختلفة للصيام وفق ما أراده الله، بما يتناسب مع أحوال أمتهم.
وأضاف أن أحد الأمثلة على ذلك هو سيدنا داود عليه السلام، الذي ورد أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وهو أسلوب يختلف عن الصيام الإسلامي المتبع اليوم في شهر رمضان، حيث يمتنع المسلمون عن الطعام والشراب منذ الفجر حتى غروب الشمس، مع مراعاة العبادة والأعمال الصالحة المصاحبة للصيام.
وأكد فرحات أن الهدف الروحي من الصيام عند الأمم السابقة لم يختلف عن الهدف في الإسلام، وهو تدريب النفس على الصبر، وضبط الشهوات، ورفع مستوى التقوى، وإظهار الطاعة لله تعالى. وأوضح أن تفاصيل كيفية الصيام عند هذه الأمم قد لا تكون معروفة بدقة كاملة، لكن جوهر العبادة كان قائمًا على الامتناع عن ما يغضب الله والتقرب إليه بالأعمال الصالحة.
وأشار الإمام إلى أن الصيام عبادة شاملة تجمع بين الامتناع الجسدي والارتقاء الروحي، بحيث يعكس على النفس والروح أثر التزام الإنسان بالأوامر الإلهية، سواء في الإسلام أو في الأمم السابقة. كما أوضح أن الصيام كان دائمًا وسيلة لتحقيق التقوى، ووسيلة لتنمية الصبر، وتعليم الإنسان ضبط النفس والسيطرة على شهواته، وهو ما يمثل جوهر العبادة الدينية عبر جميع الحضارات الدينية.
وشدد فرحات على أن الصيام ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل يشمل أيضًا ضبط الكلام والأفعال والتصرفات اليومية، بحيث يكون الصائم نموذجًا للأخلاق الحميدة، وأن يبتعد عن الغيبة والكذب والإساءات، سواء في رمضان أو في غيره من الأيام، مؤكدًا أن هذا الجوهر الأخلاقي والروحي هو ما يجعل الصيام عبادة متكاملة ووسيلة حقيقية للارتقاء الروحي.
كما أشار فرحات إلى أن الله سبحانه وتعالى يضاعف الأجر على الصائمين المؤمنين، سواء في رمضان أو في أي صيام مستحب، وأن التزام النفس وضبطها عن المعاصي والذنوب يعكس قوة الإيمان وصدق الطاعة، مما يجعل الصيام فرصة ثمينة لتقوية الصلة بالله، وتحقيق التقوى، وبناء شخصية الإنسان الدينية والأخلاقية في المجتمع.
وأوضح فرحات أن معرفة أن الصيام موجود عند الأمم السابقة يُبرز عظمة التشريع الإسلامي، ويبين أن الإسلام جاء مكملًا لما قبله من تشريعات، محافظًا على جوهر العبادة مع تنظيمها وفق ضوابط دقيقة تزيد من قيمتها الروحية، وتعزز قدرات الإنسان على ممارسة العبادة بشكل صحيح وفعال. كما أشار إلى أن الصيام في الإسلام شمل تنظيمًا دقيقًا للأوقات، وفرض التدرج في العبادة، مع مراعاة الحالات الخاصة، مثل المرض والسفر والحالات الاضطرارية، وهو ما لم يكن متاحًا في بعض الأمم السابقة، مما يعكس حكمة التشريع الإسلامي في مراعاة جميع الظروف الإنسانية.
وأضاف فرحات أن التأمل في الصيام عند الأمم السابقة يعزز وعي المسلمين بمتانة العقيدة الإسلامية، ويشجعهم على الامتثال الكامل للشريعة، مع فهم الهدف الأسمى للصيام، وهو التقرب إلى الله، وتحقيق الرضا الإلهي من خلال الالتزام بالطاعات والابتعاد عن المعاصي.
وشدد الدكتور فرحات على أن الصيام عبادة تربوية بالدرجة الأولى، فهو يعلم الإنسان الصبر على المشاق، ويقوي إرادته، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الصعوبات الحياتية، مع تعزيز الشعور بالمشاركة الاجتماعية من خلال التكافل مع الفقراء والمحتاجين، حيث أن الصوم يعلم المسلم الرحمة، والتعاطف، ومراعاة حقوق الآخرين.
وأكد فرحات أن رمضان فرصة لتعميق الفهم الديني لدى الأطفال والشباب، عن طريق توضيح أن الصيام لم يأتِ عشوائيًا، بل هو عبادة موصوفة، مرتبطة بمبادئ دينية قائمة منذ القدم، مع اختلاف التفاصيل بين الأمم السابقة والإسلام، مما يمنح المسلمين فهمًا أوسع للعبادة وقيمتها الروحية والاجتماعية.
وختم الدكتور أحمد عصام فرحات حديثه بتأكيد أن الصيام هو وسيلة لتحقيق الكمال الروحي، وتقوية العلاقة بالله، سواء في رمضان أو غيره من أيام السنة، وأن الصائم الحقيقي هو الذي يلتزم بجميع أبعاد العبادة، جسديًا وروحيًا وأخلاقيًا، مستفيدًا من تجربة الأمم السابقة لفهم حكمة الصيام وأهدافه العليا، مع الحرص على تطبيق تعاليم الإسلام بشكل صحيح ومتوازن.