ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

نعم أخي لا تستعجب حينما أستعيد معك ذكرى هذا العالم النابه النابغة الذي ملأ الأرض علما، ورغم صبغته السلفية، وانتحائه منهج الأثر، إلا أنني أستطيع بكل ثقة فيما عرفته فيه، وفيما عرفته أنت كذلك عنه، أنه أول عالم سلفي يظهر بصبغة الزاهدين المتصوفين، بما حمل من رقائق الخاشعين، وتبتل المخبتين.

إنه الشيخ السلفي أبو إسحاق الحويني، الذي ظهر في كثير من حلقاته، وهو يمثل الصبغة الصوفية المتبعة المتسننة بأسمى وأبهى وأبلغ وأعلى مما لم يقدر على تمثيلها كثير من العلماء الذين ينطقون باسم الصوفية اليوم، ممن لهثوا وراء المناصب، وتزلفوا عتبات الجاه والسلطان.

والصوفية التي أقصدها وأنعت بها أبي إسحاق، ليست صوفية القبور والأضرحة والتوسل، وإنما أقصد بها الترقي في خطاب التزكية والزهد الذي عرف في تاريخ أمتنا أنه حال الطريق الصوفي وأشياخه.

رحم الله الشيخ أبي إسحاق الحويني، وأجزل له المثوبة على ما قدم، فالحديث عن الشيخ خاصة في فتراته الأخيرة، يتجاوز مجرد تغيير في نبرة الخطاب، ليجسيد حالة من المراجعة الروحية والسمو الإيماني التي يمر بها العلماء الربانيون حين تصفو نفوسهم وتقترب من لقاء ربها.

​لقد شاهدنا الشيخ وهو ينتقل من ضجيج المعارك الفقهية والحديثية وصخب الجدل، إلى رحاب الزهد والتبتل، وكأنه وجد ضالته المنشودة في أعمال القلوب، بعد أن أفنى عمره في أعمال القوالب والمتون.

​لقد كان العالم الرباني الزاهد الذي أطلق منهجه الروحي بفلسفة الصوفية تحت صيحة [اخلع نياشينك] وهو ما يحاكي شعار (ادفن نفسك في أرض الخمول)

​كانت صرخة الشيخ (اخلع نياشينك) بمثابة بيان عملي للتحرر من قيود الدنيا التي تغري بها النياشين من ​التريس والألقاب العلمية كالشيخ، المحدث، العلامة، واحتقار الشهرة والأتباع الذين يغتر بهم كثير من العلماء على يد أتباعهم وهوس مريديهم، مرورا بمحطة الاعتداد بالعلم التي استنكرها وتعفف عنها وكأنه يقول: إن كل ما جمعه من أسانيد وكتب لا ينفعه عند الله إلا بقلب سليم وخضوع تام.

ف​في سنواته الأخيرة، غلب على دروسه طابع الوعظ المؤثر الذي يلامس الوجدان، ولم يعد المشاهد يرى المحقق الذي يسرد العلل والأسانيد فحسب، بل رأى العابد المنكسر الذي يتحدث عن ​حقارة الدنيا والتحذير من الغرور بمباهجها الزائلة، و​الإخلاص والتفتيش الدقيق في النوايا، خوفاً من أن يكون العمل لغير وجه الله، والخلوة بالله وكيف أن السعادة الحقيقية تكمن في مناجاة الخالق بعيداً عن الأضواء.؟

​ظهرت آثار هذه المراجعة في سمته الشخصي قبل كلماته، في التواضع والاعتراف بالتقصير، ومطالبة تلاميذه بالدعاء له بالثبات والمغفرة، ظهرت في التبتل والانقطاع للعبادة والذكر، والزهد في الظهور الإعلامي المكثف إلا لضرورة النصح، ظهرت في الخشوع وما تبعه من غلبة البكاء والخشية عند ذكر الموت أو الدار الآخرة، مما أعطى لدروسه هيبة ووقاراً، وجاذبية روحانية ربانية صادقة تأسر لب مستمعيه.

​كان الحويني يؤكد في أيامه الأخيرة أن العلم وسيلة وليس غاية، لأن الغاية هي معرفة الله، والوسيلة هي العلم، فإذا حجب العلمُ العبدَ عن ربه بالكبر أو العجب، صار العلمُ وبالاً عليه، ومن هنا جاء تركيزه على تزكية النفس كضرورة لا تقل أهمية عن تصحيح الحديث.

رحم الله الشيخ أبا إسحاق، فقد ترك بزهده الأخير درساً بليغاً لكل طالب علم أن الجمال ليس في كثرة المحفوظ، بل في أثر هذا المحفوظ على القلب انكساراً وخشية.

نعرض هذه اللفتة لننصح علماء الصوفية أن يعودا إلى روح صوفيتهم التي علمهم معالمها الحقيقية أبو إسحاق حينما طبقها على نفسه وحاله وخطابه ودمعه.

نستدعي اليوم صورة أبي إسحاق لكل عالم متكبر مغرور يخفق قلبه لمباهج الدنيا وزينتها، والتشبه برجال الأعمال والأثرياء والسير في طابور من (البودي جاردات) زهوا وخيلا بغيضة منفرة، رحم الله شيخا سلفيا علمنا الزهد والتذلل إلى الله قبل أن يعلمنا العلم، ورد الله شيوخا حسبناهم من أهل القرب، وما سلوكهم بيننا إلا سلوك عبيد للدنيا جرفتهم بمفاتنها الفانية.

كان أبو إسحاق نعم العالم الذي جمع التدين باتباع السلف وروح الصوفية.

تم نسخ الرابط