ما يحدث اليوم من خراب ودمار في المنطقة نتيجة التوترات والحروب المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن التقليل من خطورته أو تجاهله. فالمشهد الإقليمي يزداد تعقيدًا، والخسائر الإنسانية والاقتصادية والسياسية تتزايد يوماً بعد يوم. ومع ذلك، وفي خضم هذه الصورة القاتمة، قد يكون من المفيد النظر إلى ما يمكن تسميته بـ”الجانب الممتلئ من الكوب”، أي الدروس التي يمكن أن تستخلصها دول المنطقة من هذه التطورات.
أول هذه الدروس أن وجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضي الدول لا يعني بالضرورة توفير الأمن أو الحماية الكاملة لها. فقد أظهرت الأحداث أن هذه القواعد قد تتحول في بعض الأحيان إلى عوامل جذب للصراع بدلاً من أن تكون أدوات للردع والاستقرار. وبالتالي، فإن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية قد لا يحقق الأمن المنشود.
الدرس الثاني يتمثل في أن السياسة الدولية، وخصوصاً سياسة القوى الكبرى، تقوم أساساً على المصالح قبل أي شيء آخر. فالولايات المتحدة، كغيرها من الدول الكبرى، تتصرف وفق ما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية بالدرجة الأولى. وهذا أمر ليس جديداً في العلاقات الدولية، لكنه يتأكد مرة أخرى في كل أزمة إقليمية.
ومن هنا يظهر درس ثالث، وهو أن الرهان الكامل على قوة خارجية لتحقيق الأمن القومي لأي دولة قد يكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر. فالأمن الحقيقي غالباً ما ينبع من قدرة الدول على بناء منظوماتها الدفاعية والاقتصادية والسياسية الذاتية، إضافة إلى تطوير شراكات متوازنة ومتعددة، بدلاً من الاعتماد على طرف واحد.
أما الدرس الرابع، فيتعلق بإدراك دول الخليج أن موقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية يجعلها دائماً في قلب التنافس الدولي. وفي بعض الأحيان قد تتحول العلاقة مع القوى الكبرى إلى علاقة تقوم على مزيج من الحماية والمصالح والضغوط، وهو ما قد يفسره البعض على أنه نوع من الابتزاز السياسي أو الاقتصادي.
كل ذلك يفتح الباب أمام الدرس الأهم: أن ما يحدث اليوم قد يمثل فرصة لإعادة تقييم العلاقات الخليجية الأمريكية بصورة أكثر واقعية وتوازناً. فالعلاقات الدولية لا تبنى على العواطف أو الشعارات، بل على المصالح المتبادلة والوضوح في الالتزامات. ومن حق أي دولة أن تسعى إلى صياغة علاقاتها الخارجية بما يحقق مصالحها الوطنية ويحافظ على سيادتها واستقرارها.
إن إعادة النظر في طبيعة الشراكات الاستراتيجية لا تعني بالضرورة القطيعة أو المواجهة، بل قد تعني بناء علاقة أكثر نضجاً وتوازناً، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وفي عالم سريع التغير، فإن الدول التي تراجع سياساتها بواقعية وتستخلص الدروس من الأزمات هي الأكثر قدرة على حماية مستقبلها واستقرارها.
وفي النهاية، قد تكون الأزمات، رغم قسوتها، لحظات كاشفة تعيد ترتيب الأولويات وتدفع الدول إلى التفكير بعمق في خياراتها الاستراتيجية. والمنطقة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى مثل هذه المراجعات .