بعد تولي مجتبى خامنئي مرشداً لإيران.. ماذا قالت ترامب والصين وروسيا؟
في خطوة تعكس تسارع الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل أجواء مشحونة بالترقب الدولي، سارعت القوى الكبرى في الشرق إلى حسم موقفها من التغيير الجذري في هرم السلطة الإيرانية.
فقد جاء إعلان مجلس خبراء القيادة في إيران عن اختيار "مجتبى خامنئي" مرشداً أعلى ثالثاً للبلاد، بمثابة نقطة تحول مفصلية، ليس فقط للداخل الإيراني الذي يواجه تبعات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير، بل ولخارطة التحالفات الدولية التي تقودها روسيا والصين.
هذا الاختيار الذي جاء خلفاً لوالده علي خامنئي، يضع المنطقة أمام واقع سياسي جديد، حيث تبدو موسكو وبكين عازمتين على توفير غطاء سياسي ودبلوماسي للمرشد الجديد في مواجهة التهديدات المباشرة التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب، مما ينذر بمرحلة من الاستقطاب الحاد الذي قد يعيد تشكيل توازنات القوى العالمية في العقد الحالي.
بوتين: ثقة في الاستمرارية ودعم مطلق
لم يتأخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إرسال برقية تهنئة تحمل في طياتها دلالات استراتيجية عميقة، حيث بادر بتهنئة مجتبى خامنئي على توليه منصب القيادة العليا. ولم تكن التهنئة مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل حملت لغة عاطفية وسياسية قوية، إذ عبر بوتين عن ثقته المطلقة في قدرة المرشد الجديد على مواصلة مسيرة والده بـ "شرف"، مشدداً على أن المهمة الأساسية لمجتبى في هذه المرحلة هي توحيد الشعب الإيراني في مواجهة ما وصفه بـ "المحن الشديدة". هذا الموقف الروسي يأتي في وقت تحتاج فيه طهران إلى حليف دولي قوي يمتلك حق النقض (الفيتو)، وقد أكد الكرملين بوضوح أن روسيا ستواصل الوقوف إلى جانب طهران، مجدداً الالتزام بالدعم الراسخ والتضامن الكامل مع الأصدقاء الإيرانيين في هذه اللحظات التاريخية الصعبة التي تمر بها الجمهورية الإسلامية.
الموقف الصيني: السيادة الإيرانية خط أحمر
على الجبهة الدبلوماسية الأخرى، صاغت بكين موقفاً حازماً يتجاوز مجرد التهنئة إلى التحذير المباشر من أي محاولات لزعزعة استقرار النظام الجديد. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون، معارضة بلاده القاطعة لأي استهداف للمرشد الجديد، وهو تصريح يأتي رداً غير مباشر على التهديدات الإسرائيلية السابقة بوضع خليفة خامنئي على قائمة الاغتيالات. وأكدت الصين أن عملية اختيار مجتبى خامنئي هي شأن داخلي بحت تم وفقاً للدستور الإيراني، مشددة على ضرورة احترام سيادة إيران وأمنها ووحدة أراضيها. هذا الموقف الصيني يعكس رغبة بكين في الحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة وشراكتها الاستراتيجية مع طهران، ورفضها لسياسة "تغيير الأنظمة" أو التدخل في الشؤون السيادية للدول تحت أي ذريعة كانت، مما يضع عائقاً دبلوماسياً أمام الخطط الغربية التصعيدية.
اختيار مجتبى: سياق الاغتيال وضغوط الحرب
لقد جاء انتخاب مجتبى خامنئي من قبل مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 عضواً، في جلسة استثنائية اتسمت بالسرعة والحسم، وذلك بعد الفراغ الذي أحدثه اغتيال والده في 28 فبراير الماضي خلال المرحلة الأولى من الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا السياق الزمني يضفي على تولي مجتبى السلطة طابعاً "عسكرياً" وسياسياً بامتياز، حيث تم تعيينه كـ "مرشد ثالث" لإيران في وقت تخوض فيه البلاد مواجهة مفتوحة. ورغم الجدل الذي كان يدور سابقاً حول قضية "التوريث" في النظام الثوري الإيراني، إلا أن الظروف الأمنية الراهنة وضرورة الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، دفعت مجلس الخبراء إلى اتخاذ قرار التصويت الحاسم لصالح مجتبى، باعتباره الشخصية الأكثر قدرة على تأمين الاستمرارية الأيديولوجية والسياسية للنظام في ظل التهديدات الوجودية.
التهديدات الغربية: ترامب وإسرائيل في المواجهة
في المقابل، لم تبدِ القوى الغربية أي مرونة تجاه القيادة الجديدة في طهران، بل زادت من حدة خطابها العدائي. فقد أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحاً مثيراً للجدل، أشار فيه إلى أن المرشد الجديد "لن يبقى طويلاً" ما لم يحصل على موافقة أمريكية، وهو تصريح يعكس رغبة واشنطن في فرض شروطها على القيادة الإيرانية الجديدة أو الاستمرار في استراتيجية الضغط الأقصى.
يتزامن ذلك مع التهديدات الإسرائيلية المستمرة، حيث كانت تل أبيب قد حذرت مسبقاً من أن أي خليفة لعلي خامنئي سيكون هدفاً مشروعاً لعملياتها العسكرية. هذا الصدام بين الاعتراف الروسي الصيني والرفض الأمريكي الإسرائيلي يضع مجتبى خامنئي في اختبار حقيقي منذ اليوم الأول، حيث سيتعين عليه الموازنة بين الحفاظ على إرث والده وبين المناورة للخروج من دائرة الاستهداف المباشر.
مستقبل إيران بين الصمود والتحولات الكبرى
إن المشهد الراهن في إيران يشير إلى أن عهد مجتبى خامنئي لن يكون نسخة مكررة من عهد والده، بل سيكون عهداً مطبوعاً بطابع المواجهة الدفاعية وإعادة ترتيب البيت الداخلي.
ومع الدعم المعلن من الكرملين والحماية الدبلوماسية من بكين، يبدو أن النظام الإيراني يحاول بناء حائط صد دولي يمنع انهيار الدولة تحت وطأة الهجمات الخارجية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة المرشد الثالث على كسب شرعية شعبية واسعة في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية القاسية، ومدى نجاحه في إدارة الصراع مع محور (واشنطن-تل أبيب) الذي يبدو أنه لن يكتفي بالاغتيالات، بل يسعى لتغيير قواعد اللعبة في طهران بشكل جذري. الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت "مسيرة الوالد" ستستمر كما تمنى بوتين، أم أن المنطقة مقبلة على انفجار كبير يغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.