حسام موافي: جوهر الصيام هو الطاعة لله قبل البحث عن الحكم والأسباب
أكد الدكتور حسام موافي، أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني، أن العبادات في الإسلام تقوم في جوهرها على الامتثال والطاعة لله سبحانه وتعالى، موضحًا أن الإنسان قد يدرك بعض الحكم من العبادات، لكن تبقى الحكمة الأساسية هي تنفيذ أمر الله والإيمان به دون تردد، لأن الإيمان الحقيقي يقوم على التسليم بما أمر الله به.
وجاء ذلك خلال تقديمه برنامج "رب زدني علمًا" المذاع على قناة صدى البلد، حيث تحدث عن فلسفة العبادات في الإسلام، وخاصة فريضة الصيام، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التفسيرات المتداولة بين الناس حول الحكمة من الصيام تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق والفهم، لأنها لا تعبر بشكل كامل عن الهدف الحقيقي من هذه العبادة العظيمة.
الطاعة أساس العبادات في الإسلام
وأوضح الدكتور حسام موافي أن الإسلام يقوم على مبدأ واضح وهو أن الإنسان يعبد الله أولًا بدافع الطاعة والإيمان، ثم قد يكتشف بعد ذلك بعض الحكم والفوائد التي تترتب على هذه العبادة. وأكد أن العبادات لا يجب أن ترتبط فقط بمحاولة فهم أسبابها أو فوائدها، لأن الأصل فيها هو الامتثال لأمر الله.
وأشار إلى أن الكثير من الناس يرددون أن الصيام فُرض حتى يشعر الغني بمعاناة الفقير، لكنه أوضح أن هذا التفسير لا يمكن اعتباره السبب الكامل لفرض الصيام، لأن الفقير نفسه يصوم أيضًا، وهو ما يدل على أن الهدف الأساسي من الصيام أعمق من مجرد الشعور بالجوع أو التعاطف مع المحتاجين.
وأضاف أن الصيام في جوهره عبادة روحية تعزز علاقة الإنسان بربه، وتعلمه الصبر والانضباط، كما تجعله يدرك قيمة الطاعة لله والالتزام بأوامره في كل الأحوال.
الإسلام يدعو إلى التفكير والتأمل
وأكد الدكتور حسام موافي أن الإسلام دين يدعو إلى إعمال العقل والتفكر في خلق الله، مستشهدًا بقول الله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، موضحًا أن العلماء هم أكثر الناس إدراكًا لعظمة الخالق، لأنهم يتأملون في تفاصيل الكون ودقة النظام الذي يسير وفقه.
وأوضح أن دراسة جسم الإنسان على سبيل المثال تكشف عن تعقيد مذهل في تكوينه، حيث تعمل الأجهزة المختلفة داخل الجسم في تناغم دقيق للغاية، وهو ما يعكس قدرة الله سبحانه وتعالى في خلق الإنسان بهذا الإتقان.
وأشار إلى أن العلماء عندما يتعمقون في دراسة هذه التفاصيل يدركون أن هذا النظام الدقيق لا يمكن أن يكون قد وُجد مصادفة، بل هو دليل واضح على وجود خالق عظيم أبدع هذا الكون ونظمه بهذه الصورة المتكاملة.
حدود العقل البشري
وفي سياق حديثه، أوضح الدكتور حسام موافي أن العقل البشري رغم أهميته الكبيرة في التفكير والفهم، إلا أنه له حدود لا يمكن تجاوزها، لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع إدراك كل شيء في هذا الكون.
وأضاف أن الحواس نفسها لها حدود في الإدراك، فحاستا السمع والبصر على سبيل المثال لا تستطيعان إدراك جميع الترددات أو الألوان الموجودة في الطبيعة، وهو ما يعني أن قدرة الإنسان على الفهم والإدراك محدودة بإمكاناته البشرية.
وأكد أن الإنسان مطالب باستخدام عقله في التفكير والتأمل، لكن دون أن يحاول تجاوز حدود ما لا يمكنه معرفته، لأن هناك أمورًا كثيرة تبقى في علم الله وحده، وهو ما يتطلب من الإنسان أن يتحلى بالتواضع أمام عظمة الخالق.
التوازن بين العقل والإيمان
وأشار الدكتور حسام موافي إلى أن الإسلام يقدم نموذجًا متوازنًا يجمع بين العقل والإيمان، حيث يدعو الإنسان إلى التفكير والتدبر في آيات الله الكونية، وفي الوقت نفسه يؤكد أن هناك أمورًا غيبية لا يمكن للعقل البشري الإحاطة بها بالكامل.
وأوضح أن هذا التوازن يساعد الإنسان على بناء إيمان قوي قائم على الفهم والوعي، دون أن يقع في خطأ الاعتقاد بأن العقل قادر على تفسير كل شيء في هذا الكون.
وأضاف أن المسلم مطالب بأن يستخدم عقله في فهم الدين والكون، لكن مع الاحتفاظ بروح التسليم لله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة سيظل محدود القدرة مقارنة بعلم الله الواسع.
الصيام مدرسة روحية وتربوية
وأكد الدكتور حسام موافي أن الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب فقط، بل يمثل مدرسة تربوية وروحية يتعلم فيها الإنسان العديد من القيم المهمة مثل الصبر والانضباط والتحكم في النفس.
وأوضح أن الصيام يمنح الإنسان فرصة لمراجعة نفسه والتقرب إلى الله، كما يساعده على التخلص من العادات السلبية وتقوية إرادته في مواجهة الشهوات.
وأشار إلى أن هذه العبادة تجعل الإنسان أكثر وعيًا بسلوكه وتصرفاته، لأنه يشعر برقابة الله في كل لحظة، وهو ما يدفعه إلى الالتزام بالأخلاق والقيم التي يدعو إليها الدين الإسلامي.
رسالة الصيام الحقيقية
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور حسام موافي على أن الرسالة الأساسية من الصيام هي تعزيز علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وترسيخ مبدأ الطاعة والامتثال لأوامره.
وأوضح أن الحكمة من العبادات قد تتعدد، وقد يكتشف الإنسان مع مرور الوقت العديد من الفوائد الصحية والنفسية والاجتماعية للصيام، لكن ذلك لا يغير من الحقيقة الأساسية وهي أن الصيام فُرض أولًا لأن الله أمر به.
وأكد أن الإنسان عندما يؤدي العبادات بروح الإيمان والطاعة، فإنه يحقق الهدف الحقيقي من هذه العبادات، ويصل إلى حالة من الصفاء الروحي والقرب من الله، وهو ما يجعل الصيام أحد أعظم العبادات التي تساعد الإنسان على الارتقاء بنفسه إيمانيًا وأخلاقيًا.