في تفسير قصة قوم لوط.. حسن وتد: انحراف الفطرة قد يحول الفضيلة إلى تهمة ويقلب معايير المجتمع
أكد الدكتور حسن عبدالحميد وتد، أستاذ ورئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر، أن قصة نبي الله لوط عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم تحمل معاني عميقة ودروسًا تربوية مهمة، مشيرًا إلى أنها تكشف بوضوح خطورة انقلاب القيم داخل المجتمعات عندما تنحرف الفطرة الإنسانية وتغيب البصيرة، فيتحول الحق إلى باطل والباطل إلى حق في نظر بعض الناس.
وأوضح الدكتور حسن وتد، خلال تقديمه برنامج "نورانيات قرآنية" المذاع على قناة صدى البلد، أن القصص القرآني لا يقتصر على سرد الأحداث التاريخية، بل يحمل رسائل توجيهية وأخلاقية تهدف إلى تنبيه الإنسان وتحذيره من الوقوع في الأخطاء التي وقع فيها من سبقوه.
سياق الآية الكريمة في قصة لوط عليه السلام
وأشار إلى أن قوله تعالى: «فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون» جاء في سياق الحديث عن موقف قوم لوط عندما واجههم نبيهم بالحقيقة، وحاول أن يردهم عن الأفعال التي كانوا يمارسونها والتي تخالف الفطرة الإنسانية السليمة.
وأوضح أن نبي الله لوط عليه السلام لم يكن يسعى إلا إلى إصلاح قومه وتوجيههم إلى الطريق الصحيح، فكان يدعوهم إلى الالتزام بالأخلاق والقيم التي تحفظ للإنسان كرامته وتنسجم مع الفطرة التي خلقه الله عليها.
لكن رد فعل القوم لم يكن الاستجابة أو التفكير في نصيحة نبيهم، بل كان الرفض الشديد والتمسك بسلوكهم المنحرف، بل وصل الأمر إلى التهديد بطرد نبي الله لوط ومن آمن معه من القرية.
الطهارة تحولت إلى تهمة
وأوضح الدكتور حسن وتد أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الآية الكريمة هو أن قوم لوط اعتبروا الطهارة والالتزام بالأخلاق سببًا للطرد والاتهام، حيث قالوا إن لوطًا ومن معه "أناس يتطهرون".
وأشار إلى أن هذه العبارة تكشف بوضوح عن مدى الانحراف الذي قد يصل إليه المجتمع عندما تختل موازينه الأخلاقية، إذ تصبح الفضيلة أمرًا مستهجنًا بينما يُنظر إلى الرذيلة على أنها أمر طبيعي.
وأكد أن هذه الحالة تمثل نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحدث عندما تنقلب المفاهيم وتختلط المعايير داخل المجتمع، فيفقد الناس القدرة على التمييز بين الخير والشر.
عندما تنتكس الفطرة
وأضاف الدكتور حسن وتد أن الإنسان يولد بفطرة سليمة تميل إلى الخير وترفض الشر، لكن هذه الفطرة قد تتعرض للانحراف إذا ابتعد الإنسان عن القيم الإيمانية والأخلاقية.
وأوضح أن الابتعاد عن الهداية الإلهية واتباع الأهواء والشهوات قد يؤدي إلى انتكاس الفطرة، وهو ما يجعل الإنسان يرى الأمور بشكل مقلوب، فيعتبر الباطل حقًا والحق باطلًا.
وأشار إلى أن هذه الحالة لا تحدث فجأة، بل تتكون تدريجيًا نتيجة التعود على الخطأ وتبريره، حتى يصبح جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع.
البصيرة ودورها في إدراك الحقيقة
وأكد الدكتور حسن وتد أن البصيرة تمثل عنصرًا أساسيًا في حياة الإنسان، لأنها تمنحه القدرة على إدراك الحقيقة والتمييز بين الصواب والخطأ.
وأوضح أن الإنسان عندما يفقد بصيرته بسبب الغفلة أو اتباع الهوى قد يعجز عن رؤية الحق حتى لو كان واضحًا أمامه، وهو ما حدث مع قوم لوط الذين رفضوا دعوة نبيهم رغم وضوحها.
وأشار إلى أن القرآن الكريم حذر في العديد من المواضع من هذه الحالة، مبينًا أن الإنسان قد يمتلك القدرة على النظر لكنه لا يمتلك القدرة على الفهم الصحيح إذا غابت عنه البصيرة.
دروس مستفادة من القصة
وبيّن الدكتور حسن وتد أن قصة نبي الله لوط عليه السلام تقدم عددًا من الدروس المهمة التي يمكن الاستفادة منها في حياة الإنسان والمجتمع.
ومن أبرز هذه الدروس ضرورة التمسك بالقيم الأخلاقية وعدم التخلي عنها تحت ضغط المجتمع أو العادات السائدة، لأن الحق لا يتغير بتغير الظروف أو آراء الناس.
كما تؤكد القصة أهمية دور الأنبياء في توجيه المجتمعات وتصحيح مسارها عندما تنحرف عن الطريق الصحيح، حتى لو واجهوا في سبيل ذلك الرفض أو العداء.
الصراع بين القيم والانحراف
وأشار الدكتور حسن وتد إلى أن التاريخ الإنساني شهد دائمًا صراعًا بين القيم الأخلاقية والانحرافات السلوكية، وأن هذا الصراع يتكرر عبر العصور بأشكال مختلفة.
وأوضح أن المجتمعات قد تمر بمراحل يحدث فيها اضطراب في المعايير الأخلاقية نتيجة انتشار بعض الأفكار أو السلوكيات التي تخالف الفطرة، وهو ما يتطلب العودة إلى القيم الدينية والإنسانية لإعادة التوازن.
وأكد أن القصة القرآنية لقوم لوط تقدم نموذجًا واضحًا لما قد يحدث عندما يتخلى المجتمع عن قيمه الأساسية، حيث يؤدي ذلك إلى اختلال المعايير وتحول الفضيلة إلى تهمة.
أهمية التمسك بالقيم
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور حسن وتد على أن الحفاظ على القيم الأخلاقية يمثل أساس استقرار المجتمع وسلامته، لأن هذه القيم هي التي تنظم العلاقات بين الناس وتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض.
وأشار إلى أن القرآن الكريم عندما يذكر قصص الأنبياء لا يقصد مجرد سرد أحداث تاريخية، بل يهدف إلى توجيه الإنسان وتحذيره من الوقوع في الأخطاء نفسها التي أدت إلى هلاك الأمم السابقة.
وأكد أن قصة قوم لوط تظل رسالة متجددة لكل المجتمعات، تدعو إلى التمسك بالفطرة السليمة والأخلاق الفاضلة، وتحذر من خطورة الانحراف الفكري والأخلاقي الذي قد يؤدي إلى انقلاب القيم وتشويه المفاهيم داخل المجتمع.