ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

حسام بدراوي: الديون ليست أزمة في ذاتها بل في غياب العائد الإنتاجي

 الدكتور حسام بدراوي
الدكتور حسام بدراوي

قدّم الدكتور حسام بدراوي، المفكر السياسي المرموق، في حواره الأخير مع "CNN الاقتصادية" قراءة تحليلية معمقة لملف الديون في مصر، حيث يرى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في "وجود الدين" بحد ذاته، إذ إن كبرى اقتصادات العالم تعتمد على الاستدانة لتكبير حجم اقتصادها، بل تكمن المعضلة في سبب الاستدانة وطبيعة العائد المحقق منها.

ويفرق بدراوي بوضوح بين الديون التي تُستخدم لتمويل مشاريع إنتاجية تخلق قدرة مستقبلية على السداد، وبين الديون التي تُوجه لتغطية التكاليف الجارية أو تسديد التزامات قديمة، معتبراً أن المسار الأخير يمثل "مؤشراً خطيراً" يعيد إنتاج المخاطر وقد يدفع بالبلاد إلى مأزق اقتصادي حرج.

ورغم اعترافه التام بأن البنية التحتية هي حجر الزاوية لأي نمو مستقبلي، إلا أنه يضع الكفاءة والمحاسبة في قلب التقييم، متسائلاً عن مدى خضوع هذا الإنفاق للرقابة التي تمنع الهدر وتضمن أن كل جنيه يُستدان يساهم فعلياً في توسعة "كيكة الاقتصاد" وخلق فرص عمل مستدامة وحقيقية في قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا.

السياسة بوصفها المحرك الأول للإصلاح الاقتصادي

ينتقل بدراوي في تحليله من الأرقام إلى الجذور السياسية للأزمة، مؤكداً أن السياسة هي قلب الاقتصاد النابض، وأن غياب الفصل بين السلطات يؤدي بالضرورة إلى ضعف في جودة القرار الاقتصادي، حيث تصبح الجهات التنفيذية هي الخصم والحكم في آن واحد.

ويرى أن المساءلة البرلمانية والرقابة الإعلامية الفاعلة ليست مجرد رفاهية ديمقراطية، بل هي ضرورة اقتصادية ملحة لضمان أن التوجهات الصحيحة لا تتحول إلى تنفيذ مكلف بلا مردود ملموس.

وفيما يخص التعامل مع القطاع الخاص، يشير بدراوي إلى أن الدعم الرسمي غالباً ما يبقى في الإطار اللفظي، بينما يواجه المستثمر واقعاً يتسم بالمنافسة غير المحايدة أمام كيانات تابعة للدولة تمتلك امتيازات تنظيمية ضخمة. ومن هنا، يطالب بمنظومة ضرائب عادلة وشفافة تقلل الاحتكاك البشري وتقضي على التقديرات الجزافية التي تفتح أبواب الفساد، معتبراً أن "الخصخصة" في جوهرها هي نقل الإدارة للقطاع الخاص ضمن رؤية متكاملة تضمن توزيع الأدوار بين الدولة كمنظم ومستثمر في المستقبل (الصحة والتعليم) والقطاع الخاص كطرف ربحي ومنتج.

ثورة التعليم واللامركزية وبناء الشخصية

في ملف التعليم، يطرح بدراوي رؤية تمزج بين التطوير الأهلي "مايكرو" والرؤية الاستراتيجية "ماكرو" المتمثلة في "رؤية مصر 2030"، مشدداً على أن العبرة ليست في صياغة النصوص بل في تحويلها إلى مشاريع محكومة بجدول زمني وآليات رقابة صارمة.

ويضع بدراوي يده على جرح المنظومة التعليمية، مؤكداً أن إدارة 55 ألف مدرسة لا يمكن أن تنجح مركزياً، بل يجب الانتقال فوراً إلى نظام اللامركزية لتصبح كل مدرسة وحدة إدارة مستقلة تملك مواردها وبوصلتها الخاصة.

ويرى أن التعليم في الغد لن يرحم من يخرج عن المنظومة الرقمية، مما يجعل الاستثمار في الإنترنت جزءاً أصيلاً من البنية التحتية التعليمية.

كما يركز على "صناعة الشخصية" المنفتحة والقادرة على العمل الجماعي، معتبراً أن الدروس الخصوصية هي "عرض" لمرض يتمثل في تعليم فقد وظيفته الحقيقية. ويذهب بدراوي إلى أبعد من ذلك، مطالباً بأن يكون مرتب المعلم هو الأكبر في البلاد، كونه صانع الوجدان والمعرفة، محذراً من أن ترك المعلم في احتياج اقتصادي يفرغ أي مشروع لتطوير التعليم من قيمته ومعناه.

التنمية الإنسانية والبوصلة الأخلاقية للمستقبل

يختتم الدكتور حسام بدراوي رؤيته بتحديد أولويات المرحلة القادمة، والتي يبدأها بـ "التنمية الإنسانية" باعتبارها الاستثمار الأسمى والأطول مدى، تليها منظومة العدالة التي تضمن سرعة الإنصاف، ثم تطبيق الدستور بكل ما يتضمنه من فصل بين السلطات وحرية تعبير.

وفي سياق الحديث عن الذكاء الاصطناعي، يراه بدراوي فرصة هائلة لتسريع الأداء وتحسين الدقة، لكنه يربطه بضرورة وجود بوصلة أخلاقية وقيمية تُغرس داخل المدرسة والمجتمع لمنع الانحراف التقني. ومن وحي تجربته الاستثمارية في "مستشفى النيل بدراوي" وإدارته للاستثمارات العائلية، يوجه نصيحة ذهبية للشباب والمستثمرين بضرورة فصل الملكية عن الإدارة لضمان الاستدامة، معتبراً أن العلم والمرونة والجرأة على المعرفة هي أدوات النجاة الوحيدة في مستقبل يفتح أبوابه لمن يملك البصيرة والقيم.

إن رسالة بدراوي تتلخص في أن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان، وأن الاقتصاد القوي هو ثمرة لمنظومة سياسية وقانونية وتعليمية تضع الكفاءة والعدالة فوق كل اعتبار.

تم نسخ الرابط